للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ولكِنْ لِمَنْ قَدْ حَلَّها وَثَوَى بِها … وَإِنْ غَابَ عَنْ عَيني فَما زال عن قلبي

سَأَشكُرُ مِنه نِعْمَةٌ عُمَرِيَّةٌ … وَعَارِفَةً حَسْبِي صَنائِعُها حَسْبي

وأذكُرُ أَيَّامًا لَهُ وَلَيالِيًا … رَأَيْتُ بِهِنَّ السَّرْجَ أَذكَى مِنْ الشَّهْبِ

فأجابه: [من الطويل]

لَقَدْ بَاكَرَتْني روضةٌ أَدَبِيَّةٌ … هِزَزْتَ بها أعطافنا هِزَّةَ القُضْبِ

وأغنيتني عن كلِّ غَنَّاءَ بالتي … سَقَتْها يَمِينُ مِنْكَ أَنْدَى من السُّحْبِ

لَثَمْتُ بِها لِلوَرْدِ خَدًّا مُضَرَّجًا … عَليهِ سَقِيطُ الظَّلِّ كَاللُّؤْلَةِ الرَّطْبِ

وقَبَّلْتُ ثَغْرَ الأقحوانِ مُفَلَّجًا … فَأَطفَأْتُ حَرَّ القَلْبِ بِالبَارِدِ العَذْبِ

وغَازِلْتُ لَحْظَ النَّرْجِسِ الغَضّ خاليًا … ولِلسُّحْبِ هُدْبٌ مِنهُ نِيَطتُ إِلى هُدْبٍ

فَمَنْ أَنبَتَ الأَنْهَارَ فَوقَ مَهَارِقٍ … سَوَاكَ ومَن ذا أَنْشَأَ الرَّوضَ فِي الكُثْبِ

وأَغْطَشَ لَيلَ النَّفْسِ تُشرِقُ تَحتَهُ … مَعَان إذا استجليْتَ أَبهى من الشهب

لَقَدْ راق لي ما راق من حُسْنِ لفظها … كَمَا رَقَّ لي ما راق من ذلك القلب

أَلَذُّ لجفن المستهام مِنَ الكَرَى … وأَعذَبُ في قَلبِ المُحبِّ مِنْ الحُب

وَأَطْيَبُ مَنْ لَيْلِ تَنفَّسَ صُبحُهُ … مِنْ الرَّاح والرَّيْحَانِ لِلفتيةِ الشَّرْبِ

وقَامَ يُنادِي لِلصُّبُوحٍ بِسُحْرَةٍ … غُلامٌ يُغَنِّي لِلفَتاةِ: أَلا هُبّي

وَغَنَّى عليها جَائِلٌ مِنَ وِشَاحها … علَى الصَّمْتِ مِنْ خَلْخالِها ومِن القُلْبِ

وَطَافَ بِراحٍ لَوْنُها مِنْ خُدودِه … وَرِقْتُها في الكَأْسِ مِنْ دَمْعَةِ الصَّبِّ

وأَطيبُ من ذا سَاعَةٌ أجتلي بها … مُحيَّا شِهابِ الدِّينِ مُحترق الحُجْبِ

وَتَشنيفُ سَمعي منه بالدُّرَرِ التي … تُرى عِندَها دُرَّ التَّرَائِبِ فِي التَّرْبِ

ولا اختار إلا شِعْبَ أحمدَ دُونَهُمْ … وَنَاهِيكَ لِلآداب والعلم من شِعْبِ

ومَن أَحمدُ الكِندِيُّ إِذْ قَال أحمدٌ … قَرِيضًا فأَعْيا قَالَةَ العُجَمِ والعُرْبِ

وَقَصَّدَ أحيانًا وَوَشَّحَ تارةً … لِيَطلُعَ في شَرْقٍ شِهابًا وَفِي غَرْبِ

إليكَ شِهَابَ الدِّينِ عُذرِي فإنّ لي … عَوائِقَ تُلْهِيني عنِ الأَكْلِ والشَّرْبِ

وَحَسْبُكَ مِنِّي حَسْبُكَ اليومَ خَجْلَتي … لَدَيْكَ وَحَسْبِي فِيكَ فَرْطُ الحَيَا حَسْبي

وَعَادَتُكَ الحُسْنَى إِذا لَمْ أَزُرْ تُزَرْ … فَنحنُ سَواءٌ لا مَحالَةَ فِي الذَّنْبِ

فَزُرْنِي وَهَبْ عَيني برؤياك حظها … كَمَا نَالَ قَلبي مِنْكَ يا سَاكِنًا قلبي

[وكتب إلى السراج الوراق] (١) [من الكامل]


(١) أخل بها ديوانه.

<<  <  ج: ص:  >  >>