الخب، فانكسر مركبهم وتخلصوا في قارب المركب مع نحو عشرين رجلًا من أهل المركب، ووقعوا إلى هذه الجزيرة فأخذهم قوم منهم واقتسموهم، وإنهم قد أفنوهم وأكلوا منهم جماعة إلى هذا الوقت. قال: فنظرتُ فإذا مقامي عند صاحب الغنم كان أصلح، ثم فكرت وإذا إلفي بالقوم وإن كنت أؤكل قد هَوَّن علي الموت، لأنا جماعة وبعضنا يتأسى ببعض، فلما كان من غد ذلك اليوم جاءوا بسمسم أو شيء يشبهه مع موز وسمن وعسل ووضعوه عندنا، فقال لي القوم: هذا طعامنا منذ وقعنا معهم. فأكلنا مقدار ما يمسك ارماقنا، ثم جاءوا ونظروا إلينا، فأخذوا أحسننا حالًا في جسمه فودعناه، وقد كان بعضنا أوصى إلى بعض، وبكينا عليه، فأخرجوه إلى وسط ذلك المنزل ودهنوه من رأسه إلى قدمه بالسمن، ثم أقعدوه في السمن مقدار ساعتين، ثم اجتمعوا عليه فذبحوه وقطعوه بالسكاكين قطعًا صغارًا ونحن نراه، ثم شووا بعضه وطبخوا بعضه وأكلوا بعضه نيًا بليموا مملوح وسمن، ثم جلسوا فشربوا شرابًا لهم وسكروا فناموا، فقلت لهم: يا قوم ليس نتوقع إلا أن نؤكل واحدًا بعد واحد، والقتل فليس وراءه شيء، والوجه ان نقوم فنقتل هؤلاء، لأنهم سكارى، ونخرج على وجوهنا، فإن سلمنا فالحمد لله، وإن هلكنا فهو أسهل من هذا البلاء الذي يحل بنا وبعضنا يرى بعضًا، وإن لحقنا أهل القرية فهو الأكل، وهو هذا الذي نتوقعه، واختلف رأينا بقية يومنا، وأظلنا الليل وأصبحنا فجاءونا بما نأكله على الرسم، ومضى ذلك اليوم واليوم الثاني والثالث والرابع على الرسم فيما نأكله، وقوينا، فلما كان في اليوم الخامس جاءوا وأخذوا منا واحدًا ففعلوا به مثل ما فعلوا بذلك الأول فلما سكروا وناموا قُمنا إليهم، وقد كنا حققنا العزم عليهم، فذبحناهم بأسرهم وأخذ كل واحد منا سكينًا وحديدًا من حديدهم، وشيئًا من ذلك العسل والسمن والسمسم، فلما أظلمتِ الدنيا خرجنا من المنزل وقد كنا رتبنا أمرنا من النهار، وميزنا كيف الخروج، ومشينا نطلب ساحل البحر من جانب آخر لا مِنْ وسط القرية، وأصبحنا من غد في غيضة ونحن سبعة أو ثمانية، فتعلقنا بالشجر خوفًا من القوم وطلبهم إلى الليل، فلما جننا الليل نزلنا ومشينا ونحن نقدّر الطريق على الكواكب ونطلب ساحل البحر إلى أن أصبحنا من غدٍ على ساحل البحر، فأخذنا نمشي الساحل الساحل يومنا إلى ثم أمنا القوم، وكنا نمشي ونستريح ونأكل من ثمار الغياض وهي كثيرة الموز زمانًا طويلًا إلى أن وقعنا في غيظة حسنة وفيها ماء عذب طيب فعزمنا على المقام بها أبدًا إلى أن يمر بنا مركب أو نموت فيها، فأقمنا بتلك الغيظة دهرًا لا يمر بنا أحدٌ، ومات منا ثلاثة أنفس، وبقينا أربعة أو خمسة، فإنا في بعض تلك الأيام نمشي إذ نحنُ بقارب خلق قد قذف به