للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الموج وفيه جماعة موتى وقد تقطعوا، والقارب جانح في الطين يضربه الموج في المد ويدخله في الجزر، وهو مطروح، فاحتلنا إلى أن رمينا بهم من القارب في البحر وغسلنا القارب بالرمل والطين والماء من رائحتهم بحسب ما أمكننا، واحتلنا في أن جذبناه إلى الساحل، وأخذنا معنا طينًا من طين الجزيرة مثل الغِرَي من جودته، وأصلحنا فيه شبه الدقل (١) بعد أن فتلنا من ليف نخل النارجيل حبالًا وأصلحنا به شبه الشراع، وملأنا القارب من النارجيل وثمار الشجر، وقد كنا فرغنا شيئًا كثيرًا من قشور النارجيل، وملأناه بالماء وسددنا حوله بالطين والخوص والليف، ثم ركبنا في القارب وبعضنا يبصر عمل البحر، وسرنا نحو خمسة عشر يومًا، ووقفنا بقرية من قرى الصنف بعد أهوال مَرَّت بنا وتسببنا من تلك القرية إلى أن وصلنا إلى الصنف وخبرنا الناس بأخبارنا، فجمعوا لنا ما تزوّدنابه وتحملنا، وخرج كل واحد يقصد بلدًا، ورجع هذا الرجل إلى البصرة بعد أربعين سنة من غيبته، وقد باد أكثر أهله، وَوَجَدَ ولدًا لولده فأنكروه وقد كانوا لما انقطع خبره اقتسموا ماله، وكان موسرًا حسن الحال، فلم يصل من ماله إلى شيء، وأقام مديدة ومات.

قال (٢): وحدثني بعض البحريين أنه كان ماضيًا من سريرة، فلما سرنا من سريرة مقدار خمسين زامًا (٣) وقع علينا الخب، ورمينا بعض الحمولة إلى البحر ومكثنا في الخبّ أيامًا، ثم وقعت علينا الريح ولم نضبط المركب، فأشفينا على الهلاك واستعددنا لأن نرمي نفوسنا في البحر ونتعلق بجزيرة، فإنا لعلى صورتنا إذ سكنت الأمواج وطرحنا الأناجر ونحن لا نصدق أنا قد تخلصنا، ولم تمض ساعة حتى لاح لنا من الجزيرة جماعة فانتظرنا أن يخرج إلينا قوم منهم فلم يخرج إلينا أحد، وأومأت إليهم أن يجيبونا، ولم نعرف الموضع وخفنا متى نزلنا إليهم أن نتأذى بهم، أو يكون وراءهم قوم فيوقعوا بنا، فلا نطيقهم فمكثنا في موضعنا أربعة أيام لا ينزل منا أحد إلى الجزيرة ولا يعبر إلينا منهم أحدٌ، فلما كان في اليوم الخامس أجمع رأينا على النزول إليهم؛ لأنا احتجنا إلى الماء وإلى مسألتهم عن الطريق، وأنا لم نعرف الطريق والمسلك إلى طريقنا الأول، فنزل منا مقدار ثلاثين رجلًا بالسلاح في القارب والدوانيج، فلما صعدنا إليهم تهاربوا كلهم ولم يبق إلا رجل واحد فكلمنا فلم نعرف لغته إلا رجلًا واحدًا كان في


(١) الدقل: سهم السفينة.
(٢) عجائب الهند ص ١٥٠.
(٣) الزام كلمة هندية وهي وحدة لقياس المسافة المطلقة في البحر، وتعادل مسيرة ٣ ساعات بالشراع، أي حوالي ١٢ ميلًا بحريًا.

<<  <  ج: ص:  >  >>