للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

المركب فقال لنا: هذه جزيرتان من جزائر الواق واق، وجعلنا نسائله بترجمة ذلك الرجل على الجزيرتين فحكى أنهما من جزائر الواق واق، وأنه ليس بقربهم إلى مسيرة ثلاثمائة فرسخ جزيرة فيها أحد سواهم، وأن عدد جميعهم نحو أربعين نفسًا، فسألناه عن طريقنا فذكر أنا نريد أن نأخذ عرضًا أيامًا إلى أن نرجع إلى الطريق فضمنا له شيئًا نهبه له، وكسوناه فوطتين، فرد علينا ذلك وقال: خذوا طريق كذا حتى تروا جبلًا من حاله كذا، وأخذ يصف الجبل صفة من يعرفه، وامتنع أن يُرشدنا وهو معنا في المركب، فقبضنا عليه وأدخلناه المركب، وأوثقناه وأقمناه يومين نطوف الجزيرة لنظفر بمن بقي فنسألهم عما نحتاج إليه، فلم نتمكن من أحدٍ منهم، ولم نجد بالجزيرة شيئًا مما يؤكل على وجه ولا سبب، فعجبنا من ذلك وقلنا للرجل: إنا نحملك معنا إلى الصين، ونردك إلى بلادنا ونحسن إليك، ونفعل بك ونصنع، وهو لا يزيدنا على البكاء والتضرع أن نردّه إلى الجزيرة، وقال لنا: إن له جوزة (١) بالجزيرة، وأنه يحبها، ولا يصبر عنها ولا عن مولده وموطنه، فسألناه ما الذي يأكلون في الجزيرة، فقال: أكثر ما نأكل الحيات والفأر، وفي الأوقات السمك لا يعرفون غير ذلك، فحملناه معنا وأخذنا في الرجوع إلى الطريق، وسلم الله ورجعنا، ووصلنا إلى الصين، قلت له: فما فعل الرجل؟ فقال: إنه كان يمضي به اليوم واليومان والثلاثة لا يطعم شيئًا، وأنهم كانوا إذا خافوا عليه التلف أكرهوه حتى يأكل إلى أن رموا به في بعض الجزائر في الطريق، وأهل الصين كلهم يأكلون الميتة.

وقال: حدثني ابن الأكيس: أن شجر الكافور مثل المنارة، ملساء ليس عليها شيء إلى رأسها، ثم يصير في رأسها أغصان تتفرّعُ على عمل المظلة، وربما زاد طول الشجرة على مائة ذراع، وخشبه خوار رديء لا يصلح للعمل.

وقال: حكي لي أنه رأى شجرة مطروحة قد مضت عليها سنون منذ سقطت أو قطعت، فمشى فيها من أوّلها إلى أن خرج من آخرها وهو قائم قد بسط يده ومَدَّها، وهذا يدل على أن سمك تجويف هذه الشجرة على الأقل ستة أذرع، أو خمسة ونصف.

قال: وليس يقطع أشجار الكافور إلا أهل فنصور؛ لأنه مثل القبائل ولكل قبيل صقع وخطة لا يتعدّى بعضهم إلى ناحية بعض وهم يستسلفون من التجار على الكافور ويخرجون لقطع الشجر، وطلبه ويحملونه ويبيعونه عليهم.


(١) كذا في الأصل، ولعلها زوجة.

<<  <  ج: ص:  >  >>