بينها. ولذا فإن محاولتي هنا تنصب على بيان المخطوطات المبكرة للكتاب، والعلاقات فيما بينها وقدمها عسى أن يكون ذلك معينًا في الدراسات والنشرات المستقلة للكتاب وحوله من جانبي، ومن جانب سائر الباحثين.
أدتني النظرة المتأنية في مخطوطات «مسالك الأبصار» باسطنبول وأوروبا، إلى الاستنتاج، بأن نسخ الكتاب وتناسخه يمتد على حقبة زمنية قصيرة بعد وفاة المؤلف ابن فضل الله العمري (٧٠٠ - ٧٤٩/ ١٣٠١ - ١٣٤٩) ويعني هذا أن الاهتمام بالكتاب كان قصير الأمد، ويمتد فقط في الحقبة التي ظهرت فيها الموسوعات وكتب التاريخ والتراجم الشاملة بالشام ومصر، من مثل تاريخ ابن الفرات (٧٣٥ هـ - ٨٠٧/ ١٣٣٤ ١٥٠٤ م) وصبح الأعشى للقلقشندي (٨٢١ هـ/ ١٤١٨ م)، وكتب المقريزي في التاريخ والتراجم (٧٦٦ - ٨٤٥ هـ/ ١٣٦٤ - ١٤٤٢ م) وعقود الجمان لبدر الدين العيني (٧٦٢ - ٨٥٥ هـ/ ١٣٦١ - ١٤٥١ م)، والنجوم الزاهرة لابن تغري بردي (من حوالي ٨١٢ هـ حتى حوالي ٨٧٤ هـ/ ١٤٠٩ - ١٤٦٩ م)، وأخيرًا جلال الدين السيوطي (٨٤٩ - ٩١١ هـ/ ١٤٤٥ - ١٥٠٥ م) وكتبه الشاملة في عدة فنون. وقد لقيت هذه البيئة المنتجة نهايتها مع فتح العثمانيين لمصر عام ١٥١٧ م. وهكذا نجد أن آخر من اقتبس من العمري هو السيوطي الذي يقع في خاتمة البيئة سالفة الذكر.
سلاسل نسخ «مسالك الأبصار»: إن المعتاد في نسخ الأعمال الكبيرة التي تتضمن عدة مجلدات أن تتغير أجزاؤها عددًا وحجمًا (سفرًا، جزءًا، مجلد). ويحدث ذلك تبعًا لحجم الورق المستعمل، ونوع الخط وضخامته، وذوق النساخ وهذه أمور تتعلق بالناسخ نفسه لا بالمؤلف الذي يسيطر على المحتويات، والتنظيم والتقسيم المضموني الداخلي للعمل. وهكذا فإن الباحث في مثل هذه الأحوال لا يستطيع أن يحدد بوضوح التجزئة الأصلية للمؤلف ما لم يكن الأصل حاضرًا بين يديه أو يكون العدد الأصلي معروفًا من مصادر خارجية. في مثل هذه الحالة يقتصر عمل الباحث على ذكر أجزاء النسخ المختلفة للكتاب. وهذا العمل بحد ذاته مفيد للناشر أو المحقق الذي يكون عليه أن يدرس علاقات النسخ المختلفة للكتاب بعضها ببعض. فإذا استطاع الناشر أن يعرف جزءًا طائرًا باعتباره منتميًا إلى نسخة معينة بناء على ترقيمه وأن يعيده إلى موضعه من مجموع النسخة، أمكن له أن يحدد قدم ذلك الجزء أو تاريخ نسخه في معظم الأحوال. ذلك أنه من النادر جدًا في نسخة تتكون من عدة أجزاء أن لا تحتوي أسفارها، على ملاحظات وهوامش وتحشيات تمكن من تحديد قدمها، مثل نص وقف أو تملك، أو تاريخ نسخ أو سماع أو قراءة.