للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

هو بابنك، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا. قال: فإنه ابن أخي، قال: فما فعل أبوه؟ قال: مات وأمه حبلى به. قال: صدقت، ارجع بابن أخيك إلى بلده واحذر عليه يهود، فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليتبعنه شرا، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم (١).

فخرج به عمه أبو طالب سريعا حتى أقدمه مكة، فلما بلغ ما كان رجلًا، كان أفضل قومه وأجمعهم لمحامد الأوصاف، وأبعدهم من كل ما يدنس الرجال، حتى ما كان اسمه في قومه إلا الأمين.

فلما هاجت حرب الفجار (٢)، كان قد بلغ نحو خمس عشرة سنة، وشهد مع قريش بعض أيامهم فيها.

وسميت حرب الفجار لاستحلال الحرم؛ لأن البراض بن قيس (٣) - أحد بني


(١) انتهز بعض أعداء الإسلام من المستشرقين وامثالهم هذه الحادثة، فجعلوها سبيلًا إلى الطعن في الإسلام، وفي رسول الله فادعوا - كذبًا - أن رسول أخذ عن بحيرى بعض علوم الأولين، وأصول دياناتهم، واقتبس منها دينه الجديد، وهذا هراء لا يصدقه عقل عاقل، بأن الرسول وهو في الثانية عشرة من العمر وفي لقاء عابر يتلقى علوم الأولين والآخرين، لا شك أن هذه الأقوال من تخاريفهم التي يريدون بها أن يثبتوا أن الإسلام بشري، أرضي، وليس وحيًا سماويًا؟! وهذه الأفكار تثبت عجزهم عن فهم حقيقة الإسلام كدين هو خاتم ديانات الله التي أنزلها إلى البشر، وحقيقة النبوة وسمو قدرها، وتنزهها عن هذه الأفكار الخبيثة، فالرسالة والنبوة كلها من عند الله الواحد القهار.
«انظر: الفصول في سيرة الرسول ٩٤، هامش (١)».
(٢) حرب الفجار بالكسر، وهذا هو الفجار الثاني، وإنما سمي الفجار لاستحلال كنانة وقيس فيه المحارم لحربهم في الشهر الحرام.
انظر: المنمق ١٨٦ - ٢١٧، الكامل في التاريخ ١/ ٥٨٨ - ٥٩٥، العقد الفريد، ٥/ ٢٥٢، ٢٥٦.
(٣) البراض بن قيس بن رافع بن قيس بن حدي بن حمزة الكناني، فاتك جاهلي، الذي يضرب به المثل، فيقال: «فَتْكُةَ البراض» أو «أفتك من البراض» ومن خبر فتكه أنه كان وهو في حَيْه عَيَّارًا فاتكأ يجني الجنايات على أهله، فخلعه قومه وتبرأوا من صنيعه، ففارقهم، وقدم مكة فحالف حرب بن أمية، ثم نبا به المقام بمكة أيضًا، ففارق أرض الحجاز إلى أرض العراق، وقدم على النعمان بن المنذر الملك، فأقام ببابه، وكان النعمان يبعث إلى عكاظ بلطيمة (قافلة تحمل الطيب والبر وعروض التجارة) كل عام تباع له هناك، وحدث خلاف عند النعمان بين البراض، وعروة الرحال، عندما قال النعمان: من يجيز لي لطيمتي هذه حتى تصل إلى عكاظ، فقال البراض: أبيت اللعن أنا أجيزها على كنانة، وقال عروة: أبيت اللعن أهذا العيار الخليع يكمل لأن يجيز لطيمة الملك؟ أنا المجيزها على أهل الشيح والقيصوم، فأسرها في نفسه البراض، وقتل عروة الرحال، وصار فتكه به مثلًا.
ترجمته في: جمهرة أنساب العرب ١٨٥، مجمع الأمثال ٢/ ٨٨، الأعلام ٢/ ٤٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>