ثم باعا البضاعة وتَعَوَّضا عنها، وكان مَيْسَرة - فيما يقال - إذا اشتد الحر يرى مَلَكين يُظِلانِهِ من الشمس وهو يسير على بَعيره، فلما عاد إلى مكة أربحت خديجة رِبْحًا كثيرًا، وحدثها ميسرة بما رأى وما قاله له الراهب، وكانت ﵂ امرأة شريفة حازمة لبيبة، فقالت ذلك لورقة بن نوفل (١) - وكان ابن عمها - وكان نصرانيًا قد قرأ الكتب وعلم علم الناس، فقال: لئن كان هذا حقا، إن محمدًا لنبي هذه الأمة، فبعثت إليه (فقالت له): يا ابن عم، إني قد رغبت فيك، وكانت خديجة - يومئذ - أوسط نساء قريش نسبا وأعظمهُنَّ شرفًا، وأكثرهُنَّ مالًا، وكل قومها كان حريصًا على تزويجها لو يقدر عليه.
(١) وَرَقَةُ بن نَوْفَل بن أسد بن عبد العُزَّى بن قصي من قريش: حكيم جاهلي، اعتزل الأوثان قبل الإسلام، وامنتع من أكل ذبائحها، وتنصر، وقرأ كتب الأديان. وكان يكتب اللغة العربية بالحرف العبراني. أدرك أوائل عصر النبوة، ولم يدرك الدعوة. وهو ابن عم خديجة أم المؤمنين. وفي حديث ابتداء الوحي، بغار حراء، أن النبي ﷺ رجع إلى خديجة: وفؤاده يرتجف، فأخبرها، فانطلقت به خديجة حتى أتت ورقة بن نوفل «وكان شيخًا كبيرًا قد عَمِيَ» فقالت له خديجة: يا ابن عم اسمع من ابن أخيك، فقال له: ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رأى، فقال له: ورقة: هذا الناموس الذي نزل الله على موسى، ياليتني فيها جِذْع! ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك؛ فقال رسول الله ﷺ: أو مُخْرِجيَّ هم؟ قال: نعم! لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا. وابتداء الحديث ونهايته، في البخاري. ولورقة شعر سلك فيه مسلك الحكماء. وفي المؤرخين من يعده في الصحابة، قال البغدادي: ألف أبو الحسن برهان الدين إبراهيم البقاعي تأليفًا في إيمان ورقة بالنبي، وصحبته له، سماه «بَذْلُ النصح والشفقة، للتعريف بصحبة السيد ورقة». وفي وفاته روايتان: إحدهما الراجحة، وهي في حديث البخاري المتقدم، قال: «ثم لم ينشب ورقة أن توفي» يعني بعد بدء الوحي بقليل؛ والثانية عن عروة بن الزبير، قال في خبر تعذيب «بلال»: «كانوا يعذبونه برمضاء مكة يلصقون ظهره بالرمضاء لكي يشرك، فيقول: أحد، أحد! فيمر به ورقة، وهو على تلك الحال، فيقول: «أحد، أحد، يابلال» وهذا يعني أنه أدرك إسلام بلال. وعالج ابن حجر في (الإصابة) التوفيق بين الروايتين، فلم يأت بشيء. وفي حديث، عن أسماء بنت أبي بكر، أن النبي ﷺ سئل عن ورقة، فقال: يُبعث يوم القيامة أمة وحده! توفي نحو سنة ١٢ ق هـ/ نحو ٦١١ م. ترجمته في الروض الأنف ١/ ١٢٤ - ١٢٧، ١٥٦ و ١٥٧ وصحيح البخاري ١/ ٤ - ٥ وصحيح مسلم، تحقيق عبد الباقي ١/ ١٤١ - ١٤٢، والأغاني طبعة الدار ٣/ ١١٩ - ١٢٢، وخزانة البغدادي ٢/ ٣٨ - ٤١، والمعارف ٢٧ وسير النبلاء - خ. المجلد الأول، وفيه خبر عن جماعة من قريش تحالفوا على نبذ الأوثان وتفرقوا في البلدان يطلبون الحنيفية ومنهم ورقة هذا «فتنصر»، وحصل الكتب وعلم علمًا كثيرًا». ومجمع الزوائد ٩/ ٤١٦، أسد الغابة ٥/ ٤٤٧ - ٤٤٨ رقم ٥٤٥٨، تاريخ الإسلام (السيرة)، (ص) ٨٩ - ٩٠، ٩١، ١١٨، ١١٩، ١٢٤، ١٢٧، ١٢٨، ١٣٢، تجريد أسماء الصحابة ٢/ ١٢٨، رقم ١٤٦٦، الإصابة ٦/ ٦٠٧ - ٦١٠، رقم ٩١٣٧، الأعلام ٨/ ١١٤ - ١١٥.