ووجدوا في المقام كتابا فيه:«مكة [بيت] الله الحرام يأتيها رزقها من ثلاثة سبل، لا يحلها أقل من أهلها».
وزعم ليث بن أبي سليم أنهم وجدوا حجرًا في الكعبة قبل مبعث النبي ﷺ بأربعين سنة، مكتوبًا فيه:«من يزرع خيرا يحصد غبطة، ومن يزرع شرًا يحصد ندامة، تعملون السيئات وتجزون الحسنات، أجل، كما [لا] يجتني من الشوك العنب».
وشرعوا في البنيان، فلما بلغ موضع الركن اختصموا فيه، كل قبيلة تريد أن ترفعه، حتى تحالفوا للقتال، فقربت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دماء ثم تعاقدوا هم وبنو عدي ومن معهم على [الموت]، وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم، وذلك حين تحالفت بنو عبد مناف ومن معهم، وقيل: كان التحالف قبل ذلك.
ومكثت قريش على ذلك أربع ليال أو خمسًا، ثم تشاوروا وتناصفوا على أن يقضي بينهم أول من يدخل من باب المسجد، فكان أول داخل رسول الله ﷺ، فلما رأوه قالوا: هذا الأمين رضينا، فلما انتهى إليهم أخبروه فقال:«[هل] إلي ثوبًا»، فأتى به، فأخذ الركن فوضعه فيه بيده، ثم قال: «لتأخذ كل قبيلة ناحية من الثوب، ثم ارفعوه جميعًا، ففعلوا، حتى إذا أتوا موضعه، وضعه هو بيده ﷺ، ثم بنى عليه.
فقال ابن هشام (١): وكانت الكعبة على عهد رسول الله ﷺ ثمانية عشر ذراعا، وكانت تكسى القباطي (٢)، ثم كسيت البرود (٣)، وأول من كساها الديباج الحجاج بن يوسف (٤).
(١) السيرة النبوية لابن هشام ٢/ ٢١ ط الجيل. (٢) القباطي: أو القُباطِيُّ: ثياب من الكتان بيضاء رقيقة تعمل بمصر. «لسان العرب ٥/ ٣٥١٤». (٣) البرود كساء من الصوف. «لسان العرب ١/ ٢٥٠». (٤) الحجاج بن يوسف بن الحكم الثقفي، أبو محمد: قائد، داهية، سفاك، خطيب. ولد في الطائف (بالحجاز) سنة ٤٠ هـ/ ٦٦٠ م ونشأ بها وانتقل إلى الشام فلحق بروح بن زنباع نائب عبد الملك بن مروان فكان في عديد شرطته، ثم ما زال يظهر حتى قلده عبد الملك أمر عسكره، وأمره بقتال عبد الله بن الزبير، فزحف إلى الحجاز بجيش كبير وقتل عبد الله وفرق جموعه، فولاه عبد الملك مكة والمدينة والطائف؛ ثم أضاف إليها العراق والثورة قائمة فيه، فانصرف إلى بغداد في ثمانية أو تسعة رجال على النجائب، فقمع الثورة وثبتت له الإمارة عشرين سنة. وبنى مدينة واسط (بين الكوفة والبصرة). وكان سفاكًا سفاحًا باتفاق معظم المؤرخين. قال عبد بن شوذب: ما رؤي مثل الحجاج لمن أطاعه ولا مثله لمن عصاه. وقال أبو عمرو ابن العلاء: ما رأيت أحدًا أفصح من الحسن (البصري) والحجاج. واتخذ «المناظر» بينه وبين قزوين فكان إذا دخن أهل قزوين دخنت المناظر إن كان نهارًا وإن كان ليلًا أشعلوا نيرانًا فتجرد الخيل إليهم، فكانت المناظر متصلة بين قزوين وواسط، وأصبحت قزوين ثغرًا حينئذ. وأخبار الحجاج كثيرة. مات بواسط سنة ٩٥ هـ/ =