فرج الله عنه بها إذا رجع إليها تسليه وتخف عليه وتهون عليه أمر الناس، فشكر الله لها هذه السابقة، ورعى لها هذه اليد، ولهذا قد أطال الله نبعتها ومد من الدوحة النبوية فروعها، فجزاها الله عن نبينا محمد صلى الله عليه (وسلم) وعنا أهل الإسلام أفضل الجزاء.
قال ﷺ(١): «أمرت أن أبشر خديجة ببيت من قصب لا صخب فيه ولا نصب».
والقصب - ههنا - اللؤلؤ المجوف.
قال ابن هشام: وحدثني من أثق به، أن جبريل أتى رسول الله ﷺ فقال: أقرئ خديجة السلام من ربها»، فقال رسول الله ﷺ:«ياخديجة، هذا جبريل يقرئك السلام من ربك»، فقالت خديجة: إليه السلام، ومنه السلام، وعلى جبريل السلام (٢).
فانظر إلى هذا الإيمان المستقر، والجأش الرابط، في مثل هذا المقام الذي يتلجلج فيه المقال.
ثم فتر الوحي فترة شقت عليه، فجاءه جبريل ﵇ بسورة الضحى، يقسم ربه بأنه ما ودعه وما قلاه، وجعل رسول الله ﷺ يحدث بما أنعم الله عليه وعلى العباد به من النبوة سرًا إلى من يطمئن به من أهله.
و افترضت عليه الصلاة، فصلى رسول الله ﷺ.
وذكر الحربي (٣) أن الصلاة قبل الإسراء كانت صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل
(١) انظر: صحيح البخاري: ٧/ ١٢٤، ١٣٥، صحيح مسلم: ٧/ ١٣٢، ١٣٤. (٢) السيرة النبوية: ١/ ٢٤١. (٣) إبراهيم بن إسحاق بن بشير بن عبد الله البغدادي الحربي، أبو إسحاق: من أعلام المحدثين. أصله من مرو ولد سنة ١٩٨ هـ/ ٨١٥ م. واشتهر وتوفي ببغداد سنة ٢٨٥ هـ/ ٨٩٨ م، ونسبته إلى محلة فيها. كان حافظًا للحديث عارفًا بالفقه بصيرًا بالأحكام، قيمًا بالأدب، زاهدًا، أرسل إليه المعتضد ألف دينار فردها. تفقه على الإمام أحمد، وصنف كتبًا كثيرة منها «غريب الحديث - خ» الجزء الخامس منه وهو الأخير (كما في تعليقات عبيد) و «إكرام الضيف - ط» و «مناسك الحج - ط» رجح الأستاذ حمد الجاسر نسبته إليه، وصدره بكتاب آخر في سيرته وأخباره و «سجود القرآن» و «الهدايا والسنة فيها» و «الحمام وآدابه» و «دلائل النبوة» وكان عنده اثنا عشر ألف جزء، في اللغة وغريب الحديث، كتبها بخطه. ترجمته في: أخبار القضاة لوكيع ٢/ ٢٣٠، ٢٤٢، ٢٩٩، والثقات لابن حبان ٨/ ٨٩، والسابق واللاحق ٢٢٠، وتاريخ بغداد ٦/ ٢٧ - ٤٠ رقم ٣٠٥٩، والفهرست لابن النديم، المقالة، فن ٦، وطبقات الفقهاء للشيرازي ١٧١، وطبقات الحنابلة لابن أبي يعلى ١/ ٨٦ ٩٣، رقم ٨٦، وأخبار الحمقى والمغفلين لابن الجوزي ٨٠، والإكمال لابن ماكولا ٣/ ٢٢٠، والمنتظم لابن الجوزي ٣/ ٦ - ٧، ومعجم الأدباء ١/ ١١٢ - ١١٩، والكامل في التاريخ ٧/ ٤٩٢، ٥١٠ وفيه «المري» وهو