ثم إن قريشًا اشتد أمرهم - لما سبق من شقاوتهم - في عداوة رسول الله ﷺ ومن أسلم معه، فأغروا برسول الله ﷺ سفهاءهم، ورسول الله ﷺ مظهر لأمر الله لا يستخفي به، مباد لهم يعيب دينهم، ويحض على اعتزال أوثانهم.
ولقد مر بهم يوما بالحجر آخذين في شأنه، فأقبل حتى استلم الركن، ثم مر بهم طائفًا بالبيت، فغمزوه مرات، فقال:«أتسمعون يا معشر قريش، أما والذي نفسي بيده لقد جئتكم بالذبح»، فأخذت القوم كلمته، حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع، حتى إن أشدهم فيه وصاة قبل ذلك ان فاه بأحسن ما يجد من القول، حتى إنه ليقول: انصرف يا أبا القاسم، فوالله ماكنت جهولا، فانصرف حتى إذا كان الغد، قال بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغه منكم وما بلغكم عنه حتى إذا ناداكم بما تكرهون تركتموه، فبينما هم في ذلك طلع عليهم، فوثبوا إليه وثبة رجل واحد فأحاطوا به يقولون: أنت الذي تقول كذا وكذا، لما كان يقول من عيب آلهتهم ودينهم، فيقول:«نعم، أنا الذي أقول ذلك»، فأخذ رجل منهم بمجمع ردائه، فقام أبو بكر دونه وهو يبكي ويقول: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله؟ ثم انصرفوا عنه، ورجع أبو بكر إلى بيته وقد صدعوا فرق رأسه مما جبذوه بلحيته.
ومر يوما بأبي جهل عند الصفا، فنال منه أبو جهل ورسول الله ﷺ لا يكلمه، ثم عمد أبو جهل إلى ناس من قريش عند الكعبة فجلس معهم، فلم يلبث حمزة بن عبد المطلب أن أقبل متوشحا قوسه، راجعا من قنص له، وكان أعز فتى في قريش وأشدهم شكيمة، فأخبرته مولاة لابن جدعان بما كان من أبي جهل، فأقبل واحتمله الغضب حتى أقبل إلى أن وقف على رأس أبي جهل وضربه بالقوس فشجه شجة منكرة، ثم قال: أتشتمه وأنا على دينه أقول كما يقول؟ فرد ذلك عليّ إن استطعت. فقامت رجال من بني مخزوم لينصروا أبا جهل، فقال أبو جهل: دعوا أبا عمارة، فإني سببت ابن أخيه سبًا قبيحًا، وتم حمزة ﵁ وأرضاه - على إسلامه، فعرفت قريش أن رسول الله ﷺ قد عز وامتنع، فكفوا عن بعض ما كانوا ينالون منه.
ثم كان بين رسول الله ﷺ وبين قومه أمور، فقال أبو جهل في آخرها: يا معشر قريش، إن محمدا قد أبى إلا ماترون، وإني أعاهد الله لأجلسن له غدا بحجر ما أطيق حمله، فإذا سجد في صلاته فضخت به رأسه فاسلموني عند ذلك أو فامنعوني، وليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم. قالوا: والله ما نسلمك لشيء أبدا، فامض لما تريده.
فلما أصبح أبو جهل أخذ حجرًا كما وصف، ثم جلس الرسول الله ﷺ، فلما