فإن كان صدق الذي أخبرني، فهم اليوم بمكان كذا، للمكان الذي نزل ﵇، وبلغني أن قريشا خرجوا يوم كذا، فإن كان الذي أخبرني صادقا فهم بمكان كذا وكذا، للمكان الذي قريش فيه.
ثم رجع ﵇ إلى أصحابه، فلما أمسى بعث علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص في نفر من أصحابه إلى بدر يلتمسون الخبر له، فأصابوا راوية لقريش فيها أسلم وعريض (١)، فأتوا بهما فسألوهما، وهو ﵇ قائم يصلي، فقالا: نحن سقاة قريش، بعثونا نسقيهم الماء، فكره القوم خبرهما، ورجوا أن يكونا لأبي سفيان، فضربوهما فلما أذلقوهما قالا: نحن لأبي سفيان، فتركوهما. وركع رسول الله ﷺ وسجد سجدتيه، ثم سلم، [وقال:«إذا صدقاكم ضربتموهما، وإذا كذباكم تركتموهما صدقا، والله إنهما لقريش، أخبراني عن قريش؟» قالا: هم والله وراء هذا الكثيب الذي بالعَدْوَة القصوى] (٢)، فأقبل رسول الله ﷺ على الناس، وقال:«هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها».
وأقبل أبو سفيان حتى تقدم العير حذرا، [حتى] ورد الماء وسأل مجدي بن عمرو: هل أحسست أحدًا، قال: ما رأيت أحدًا أنكره إلا أني قد رأيت راكبين قد أناخا إلى هذا التل، ثم استقيا، ثم انطلقا، فأتى أبو سفيان مناخهما، فأخذ من أبعار بعيريهما، ففته، فإذا فيه النوى، فقال: هذه والله علائف يثرب (٣). فرجع إلى أصحابه سريعا، فضرب وجه عيره عن الطريق فساحل بها، وترك بدرا يسارا، وأسرع.
وأقبلت قريش، ونزلوا الجحفة، فلما أحرز أبو سفيان عيره أرسل إلى قريش: أن يرجعوا؛ لأن عيرهم وأموالهم قد سلموا، فقال أبو جهل: والله لا نرجع حتى نرد بدرا، ومضوا بعد أن رجع منهم بنو زهرة بأسرهم، حتى نزلوا على مقربة من بدر، فنهض رسول الله ﷺ ومن معه حتى أتى أدنى ماء من القوم ونزل عليه، ثم أمر بالقُلُب (٤) فغورت، وبنى حوضا على القليب الذي نزل عليه، فملئ ماء.
(١) أسلم وعريض: انظر: سيرة ابن هشام ١/ ٦١٦ - ٦١٧. (٢) العَدْوَة القصوى: اسم موضع، وعَدوة بدر شفير الوادي من جانبيه كل واحد عدوة. «مراصد الاطلاع ٢/ ٩٢٤». (٣) يَثْرِبُ: بفتح أوله، وسكون ثانيه، وكسر الراء وباء موحدة، مدينة رسول الله ﷺ «معجم البلدان ٥/ ٤٣٠». (٤) القلب: القليب: البئر قبل أن تطوى، يعني قبل أن تبنى بالحجارة ونحوها، يذكر ويؤنث قال أبو عبيدة هي البئر العادية القديمة. «مختار الصحاح ص ٢٢٨».