فخاف الظاهر بيبرس عاقبته، وقال إنه يجتث باقيته، فلاطف عيسى بن مهنا وراسله في تجهيزه إلى مصر ليبايعه، وإنه لا يجد حرجًا في صدره أن يطاوعه، وكان للظاهر على عيسى بن مهنا يد يرعاها، ولكتبه عنده نجاح لا يخيب مسعاها، ورأى في هذا صلاحًا للناس، وجمعًا لكلمة الاسلام، فعمل على هذا، وقدم الحاكم مصر، وبايَعَهُ الظاهر بيبرس، إلا أنه حَجَرَ عليه، وبعد مدة اسقط اسمه عن السكة وأبقاه في الخطبة، ودام مكرمًا إلا أنّه ممنوع، وموسعًا عليه إلا أنه مضيق له بالنسبة إلى ما يستحق، فلما أتى الله بالدولة الشريفة الملكية الأشرفية الصلاحية (١) سقى الله عهدها، فَسَحَ له وأخلى له قصر الكبش وبوأه منزله، وكان العزم الأشرفي كلّه مصروفًا إلى استفتاح العراق وإعادة الخلافة إلى مقرها في صدر ذلك الرواق، وتصريف حكم الحاكم في تلك البلاد وإقامة الدولة العباسية على ما كانت عليه بالأمراء والوزراء والأجناد. ثم توفي (٢).
ثم قام ابنه:
[٣] المستكفي (٣) بالله، أبو الربيع سليمان
بعهد أبيه، وكان حسن الجملة، لين الحملة، مع فروسية كانت فيه، لو وَجَدَ لها حين إبراز، أو أصغي جد لإحراز، إلا أنه لم يجد لغصته مساغًا، ولا لقصته بلاغًا، فكان لا يرى لسهولة الجانب ومداهنة المجانب إلا أوطأ من رملة وأضعف من نملة، وأكثر توقيا ممن عُرفت عليه عمله، عهد إليه أبوه الحاكم بالخلافة بعد ابنه
= وآل فضل بطن من قبيلة ربيعة الطائية، ومنازلهم من حمص إلى قلعة جعبر إلى الرحبة آخذين عن شقي الفرات إلى أطراف العراق. انظر: الدرر الكامنة/ ٣/ ٢٨٧ والقلقشندي: نهاية الأرب ص ١١٠. (١) نسبة إلى الملك الاشرف صلاح الدين خليل بن السلطان الملك قلاوون الذي ولي سنة ٧٨٩ هـ. انظر: النجوم الزاهرة ٣/ ٨ وخطط المقريزي ٣/ ٩٦. (٢) توفي سنة ٧٠١ هـ كما في مصادر ترجمته. (٣) المستكفي بالله، سليمان بن أحمد بن علي، أبو الربيع، ابن الحاكم بأمر الله العباسي، ولي بعد وفاة أبيه سنة ٧٠١ هـ بتفويض من أبيه ففوض الأمر للسلطان الناصر محمد بن قلاوون وسار لغزو التتر، فشهد مصاف شقحب قرب دمشق، ودخل دمشق سنة ٧٠٢ هـ، ثم تغير عليه السلطان، فأخرجه إلى قوص بالصعيد سنة ٧٣٨ هـ فأقام بها إلى أن توفي سنة ٧٤٠ هـ وكان جوادًا شجاعًا يجالس العلماء وأهل الأدب. انظر: البداية والنهاية ١٤/ ١٨٧ وتاريخ الخلفاء ص ٤٨٤ والدرر الكامنة ٢/ ٣٣٦.