للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وكانت (١) أُمُّه هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس عند الفاكه بن المغيرة المخزومي، وكان له بيت للأضياف يغشاه الناس فيه بغير إذنِهِ، فَقَعَدَ فيها يومًا ومعه هند، ثم خرج عنها وتركها به نائمة، فجاء بعض مَنْ كان يغشى البيت فدخل عليها وخرج، فجاء الفاكه ونبهها وقال لها: مَنْ هذا الذي خرج من عندك؟ قالت له: ما انتبهت حتى نبهتني، فقال لها: الحقي بأهلك، فخاض الناس في أمرهم، فقال لها أبوها: اثبتيني شأنك، فقالت: والله يا أبة إنه لكاذب، فخرج به وهند معه ليحاكمه إلى بعض كهان اليمن، فلما قاربوه، تغيّر وجه هند، فقال أبوها ألا [كان] (٢) ذلك قبل أن يشتهر خروجنا في الناس؟ قالت: والله ما ذلك لمكروه قبلي، ولكنا نأتي بشرًا يُخطئ ويُصيب، ولعلّه يسمني بميسم يبقى عليّ، قال: صدقت وسأختبره، فأصفر لفرسه فأدْلى (٣)، فَعَمَدَ إلى حبّة بُرّ، فأدخلها في إحليل الفرس، ثم أوكأ عليها، فلما نزلوا على الكاهن قال له: إنا قد أتيناك في أَمْرٍ، وقد خبأتُ لك شيئًا اختبرك به، فما هو؟ قال: ثمرة في كمرة (٤)، قال: أبين من هذا، قال: حبّة بُرّ في إحليل مُهر، قال: صدقت فانظر في أمر هؤلاء النسوة، فجعل يمسح على رأس كل امرأة منهن ويقول: قومي لشأنك، حتى بلغ هندًا مَسَحَ على رأسها وقال: قومي غير رسحاء (٥) ولا زانية، وستلدين ملكًا اسمه معاوية، فلما خرجت أخَذَ الفاكه بيدها، فأزالت يدها من يَدِهِ، وقالت: والله لأحْرِصَن أن يكون من غيرك، فتزوجها أبو سفيان، فولدت له معاوية.

وعن أبي السائب، قال: كان رأس معاوية كبيرًا، فقال أبو سفيان: والله ليسودن ابني قريشًا، فقالت هند: ثكلته إن لم يسود (٦) العرب قاطبة، وحكي إن هندًا لما فارقها الفاكه ورآها الكاهن اليمني قالت لأبيها: إنك زوّجتني ولم تؤامرني في نفسي فَعَرض ما ترى فلا تزوجني أبدًا زوجًا حتى تُعرض علي خصاله، فخطبها بعد ذلك سهيل بن عمرو (٧) وأبو سفيان بن حرب، فدخل عليها أبوها، فقال: [من الطويل]

أتاك سهيل وابن حرب وفيهما … رضى لك يا هند الهنود ومقنع

فما منهما إلا كريم مرزأٌ … وما منهما إلا أغر سميدع

فدونك فاختاري فأنت بصيرةٌ … ولا تُخدعي إن المخادع يخدع


(١) انظر خبر هند والفاكه في تاريخ الخلفاء ص ١٩٨ وورد مختصرًا في أنساب الاشراف ٤/ ١٢ والأغاني ٩/ ٥٣.
(٢) زيادة يقتضيها السياق.
(٣) أدلى الفرس وغيره: أخرج جردانه ليبول أو يقرب.
(٤) الكرة رأس الكمرة.
(٥) الرسح خفة العجيزه ولصوقها.
(٦) كذا في الأصل، وهو لحن والصواب لم يسد.
(٧) سهيل بن عمرو، أبو يزيد من بني حسل بن عامر بن لؤي من قريش، من ساداتها، أسر يوم بدر وأسلم بعد الفتح، فكان من المؤلفة قلوبهم، خرج إلى الشام ومات بطاعون عمواس سنة ١٨ هـ، المعارف ص ٢٨٤ وطبقات ابن سعد ٥/ ٣٣٥.

<<  <  ج: ص:  >  >>