للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

عن نفسه قدرًا برأي ولا كيد، ولعلّ ما سوّلوا به واستجدلوا به (١)، لا يدوم لهم سروره، ولا يُصرف عنهم محذوره، فلما انقضت اقراؤها وجه معاوية أبا الدرداء الى العراق خاطبًا لزينب على ابنه يزيد، خرج حتى قدمها، وبها يومئذ الحسن بن علي فبدأ أبو الدرداء بزيارته، فلما رآه قام إليه وصافحه إجلالًا لصحبته، ثم قال له: ما أتى بك يا أبا الدرداء؟ قال: وجهني معاوية خاطبًا على ابنه يزيد زينب بنت اسحق، فقال له الحسن: لقد كنت أريد نكاحها، وما أخرته إلا لينقضي إقراؤها، فاخطب رحمك الله عليَّ وعليه، وابذل لها من المهر مثل ما بذل لها معاوية عن ابنه، فقال: أفعل، فلما دخل عليها أعلمها بما كان، فقالت: يا أبا الدرداء لو أن هذا الأمر جاء في وأنت غائب لأشخصْتُ فيه الرسل إليك، واتبعت فيه رأيك ولم أقطعه دونك، فأما إذا كنت أنت المرسل فقد فوّضتُ أمري بعد الله إليك، وجعلته في يديك، فاختر لي أرضاهما لديك، والله شاهد عليك، فاقض في قصدي بالتحري، ولا يصدنّك اتباع هوى، فليس أمرهما عليك خفيًا، ولا أنت عما طوقتك غنيًا، فقال أبو الدرداء: ايتها المرأة إنما عليَّ إعلامك وعليك الاختيار لنفسك، قالت: عفا الله عنك إنما أنا ابنة اخيك، ولا غنى لي عنك فلا تمنعك رهبة أحَدٍ من قول الحق فيما طوقتك، فقد وَجَبَ عليك أداء الأمانة فيما حملتك، والله خير مَنْ روعي وخيف، إنه بنا خبير لطيف، فلما لم يجد بدًا من القول، قال: أي بنية، ابن بنت رسول الله أحبُّ إليَّ والله أعلم بخيرهما لك، وقد رأيت رسول الله واضعًا شفتيه على شفتي حسن، فضعي شفتيك حيث وضع رسول الله شفتيه، قالت: قد اخترته فتزوجها الحسن ، ساق لها مهرًا عظيمًا، وبلغ معاوية ما فعل أبو الدرداء، فتعاظمه جدًّا ولامه شديدًا، وقال: مَنْ يرسل ذا بَلَه وعمى ركب خلاف ما يهوى، وكان عبد الله بن سلام قد استودعها مالًا قبل شخوصه الى الشام مالًا عظيمًا، فلما طال مكث ابن سلام بدمشق جفاه معاوية لقوله فيه أنه قد خدعه، فشخص الى العراق وهو لا يظنّ إلا جحودها الوديعة لطلاقها لها من غير سبب، وبقي لا يعرف ما يصنع، فأتى الحسن ، فأخبره بخبر الوديعة ليقول لها، فلما أتاها قال لها: إن ابن سلام أتاني فذكر لي أنه كان استودعك مالًا، فادّ إليه أمانته، فإنه لم يَقُلْ إلا صدقًا، ولم يطلب إلا حقًا، قالت: لعمري لقد صدق، ولقد أَوْدَعَني مالًا لا أدري ما هو فادفعه إليه بطابعه، فأثنى عليها الحسن خيرًا، ثم قال: ألا أدخله عليك حتى تبرأي إليه منه كما دفعه إليك، ثم لقى عبد الله وقال له ما قالت، فأدخل عليها وتوفَّ مالك منها، ثم أَخَذَه ودخل به عليها، فأخرجت إليه المال فشكر وأثنى، ثم أعطاها بعضه، وقال: خُذي فهذا مني، فبكيا حتى عَلَتْ أصواتهما


(١) استجدلوا به اشتدت خصومتهم.

<<  <  ج: ص:  >  >>