للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

القُرشيُّ، وكان واليًا على العراق (١) لمعاوية، وكانت زينب مثلًا في نساء زمانها جمالًا ومالًا وشرفًا وآدابًا، وكان يزيد بن معاوية قد سمع بما هي عليه، ففتن بها، فلما عيل صبره فاستراح بالحديث الى بعض خِصيان أبيه، وكان ذلك الخصي خاصًا بمعاوية فذكر له ذلك، فبعث معاوية الى يزيد فسأله، فبَثَّ له حاله، فقال: مهلًا يا يزيد، فقال: أتأمرني بالمُهَل وقد عيل الصبر، فقال: اكتم يا بني أمرك، فإن البوح به غير نافعك، والله بالغ أمْرَهُ فيك، ثم أخذ معاوية في الحيلة ليزيد فكتب الى عبد الله بن سلام أن أقبل حين تنظر في كتابي هذا لأمر فيه حظك، فلما قدم عليه ابن سلام أمَرَ معاوية أن يُنزل منزلًا قد هيأه له، وأعَدَّ فيه نزله ثم قال لأبي هريرة (٢) وأبي الدَّرداء (٣)، وكانا يومئذ عنده: ان الله قد قسم بين عباده نعمًا أوجب عليهم فيها شكرها، وختم عليهم حفظها، فحباني منها بأتم الشرف ليبلوني أأشكر أم أكفر، وأول ما ينبغي للمرء أن يتفقده أمر من لا غناء به عنه، وقد بَلَغَتْ لي ابنة أُريد نكاحها وقد رضيت لها عبد الله بن سلام القُرشي لشرفه ودينه وفضله، ثم قال لهما: ألا فاذكرا ذلك له، وكنت قد جعلتُ لها في نفسها شورى غير أني أرجو أن لا تخرج من رأيي، فأتيا ابن سلام فذكرا ذلك له، ثم دخل على ابنته فقال لها: إذا دخل إليك أبو هريرة وأبو الدرداء فعرضا عليك أمر ابن سلام، قولي لهما عبد الله كفؤ كريم، وقريب حميم، غير أن تحته زينب بنت اسحق، وأنا خائفة أن يعرض لي من الغيرة ما يعرض للنساء، فأتناول منه ما يسخط الله فيه، ولستُ بفاعلة حتى يفارقها، فلما ذكرا ذلك لابن سلام قال لهما: حبذا ذلك ومن أين لي به فجاءا معاوية فذكرا له ما قال قال: فادخلا إذن إليها، فاستأمراها، فلما دخلا إليها قالت لهما ذلك القول، فقال: اذهبا فاعلماه، فأتياه فأعلمه أنه لا يمنعها منه إلا فراق زينب، اشهدهما بطلاقها، وبعث بها إليها خاطبين، فلما أتيا، أظهر الكرامة لفعله، وقال: ما كنت لاستحسن له طلاق امرأته، فانصرفا الى غَدٍ، ثم استأذناها، ثم كتب الى ابنه يزيد بالخبر، ثم شرع في مطل ابن سلام والأخذ به من يوم الى يوم، ثم أبت بنت معاوية إلا المنع، فعلم انه إنما خُدع، واجتمع له عقله، واستد ت (٤) له رأيه ليس بدافع


(١) لم تذكر المصادر أن عبد الله بن سلام ولي امر العراق لمعاوية.
(٢) أبو هريرة الدوسي، اختلفوا في اسمه، اسلم عام الحديبية فكان من أهل الصفة، وولاه عمر بن الخطاب البحرين ثم عزله وعاقبه، والتحق بمعاوية فولاه المدينة وبها مات سنة ٥٩ هـ وهو من أكثر الصحابة رواية للحديث، ولعبد الحسين شرف الدين: أبو هريرة، ولمحمود أبو رية أبو هريرة شيخ المضيرة، انظر: طبقات ابن سعد ٤/ ٢/ ٥٢ والمعارف ص ٢٧٨.
(٣) ابو الدرداء، عويمر بن مالك من الخزرج صحابي من الزهاد، انتقل الى الشام وبها مات سنة (٣٢) هـ: المعارف ص ٢٦٨ وطبقات ابن سعد ٧/ ٢/ ١١٧.
(٤) استد: استقام وانتظم.

<<  <  ج: ص:  >  >>