وحُكي: أنه أُسر رجل من قريش فحمل إلى صاحب القسطنطينة فكلّمه ملك الروم فجابه بجواب لم يوافقه، فقام إليه رجل من بطارقته فوكزه، فقال القرشي: وامُعاويتاه، لقد أَعْقَلْت أمورنا، وأضعتنا، فأتاه الخبر، فطوى عليه حتى احتال في فدائه، فلما وصل إليه سأله عن اسم البطريق، فلما عرفه أرسله إلى رجل من قواد صور وكان من قُوّاد البحر المشاهير بالنجدة والبأس، وقال له: انشئ مركبًا يكون له مجاذيف في جوفه، وسافر إلى بلاد الروم على أنك سافرت مستترًا، وتوصل بملك الروم ومكنه واحمل الهدايا إلى جميع أصحابه ولا تعرض لفلان، يعني الذي لطم القرشي، واعمل كأنك لا تعرفه فإذا كلّمك وقال لك: لأي معنى تُهادي أصحابي وتتركني اعتذر إليه وقل له: أنا رجل أدخل إلى هذه المواضع متسترًا ولا أعرف إلا مَنْ عُرّفتُ به، فلو عرفت بك لهاديتك كما هاديت أصحابك ولكني إذا انصرفت إليكم مرّةً أخرى سأعرف حقك، فلما انصرف إليهم ثانية هاداه وألطف وأربى في هديته على أصحابه حتى اطمأن إليه البطريق، ثم قال له: كنت أحبّ أن تجلب إلي من بلاد المسلمين بساط ديباج يكون على ألوان الزهر، فقال له: نعم، ثم رجع إلى معاوية فأخبره بما طلب، فأمر أن يُشترى له بساط على ما وصف له، وقال له: إذا دَخَلْتَ وادي القسطنطينية أخرج البساط وأبسطه على ظهر المركب وتربص حتى يصل إليه الخبر لعله يحمله الشر على الدخول إليك، فإذا حصل عندك عرفت رجالك بالامارة ليخرجو المجاديف المخبأة وتكرّ به راجعًا إلى بلاد الاسلام، ففعل ما أمره به فلما بسط ذلك البساط على مركبه وأتى البطريق الخبر فحمله الحرص والنشاط إلى أن دخل عليه، فلما حصل في المركب، أظهر الامارة التي كانت بينه وبين رجاله، وكر به راجعًا الى بلاد الاسلام حتى وصل به الى معاوية فأحضر معاوية القرشي، وقال له: هذا صاحبك؟ قال: نعم، قال: فقم فاصنع به مثلما صنع بك ولا تزد، فقام القرشي فوكزه كما كان فعل به العلج، ثم قال معاوية للعلج: ارجع الى ملكك وقل له: تركت ملك الاسلام يقتص ممن حولك، ثم قال للذي أتى به: انصرف به الى أول أرض الروم واتركه واترك له البساط وكل ما سألك أن تحمله إليه من هدية، فانصرف به إلى فم وادي القسطنطينية فوجد ملك الروم قد صنع سلسلة على فم الوادي ووكل بها الرجال فلا يدخل أحد الوادي إلا بإذنه، فأخرج به العلج وكل من كان معه ومن معه، فلما وَصَلَ إلى ملكه ووصف له ما صنع به معاوية قال: هذا ملك كثير الحيلة، فعظم معاوية في أعينهم وفي نفوسهم فوق ما كان.
ومن حِيلِهِ التي انعكست عليه: أمر زينب (١) بنت اسحق زوج عبد الله بن سلام
(١) اسمها في المصادر الاخرى (أرينب) انظر الخبر في: الامامة والسياسة ١/ ١٩٥ وثمرات الاوراق ص ٢٢٩ ويبدو أن القصة مختلقة إذ ان أبا الدرداء احد شخوص القصة مات سنة ٣٢ هـ.