للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الأقدام علمت إن حمرانك (١) وسودانك لا يغنون عنك شيئًا، فقرأ معاوية الكتاب ثم رمى به الى ابنه يزيد فقال: ما عندك؟ قال: تبعث إليه مَنْ يقتله فتستريح، من حمقه وعُجْبِهِ، قال: يا بني له بنون وعشيرة تمنعه إن بعثت بمائة رجل أعطيت كل رجل ألفًا فبلغ ذلك مائة ألف ولا أدري على مَنْ تكون الدائرة (٢)، فإن غلبوا بعثتُ ألفًا وأعطيتهم ألف ألف، ولكني اكتب إليه: من معاوية أمير المؤمنين الى عبد الله بن الزبير، أما بعد، فقد جاءني كتابك، تذكر إنا غلبناك بحمراننا وسوداننا وإنه لو التقت حَلَقَتا البطان واستوت بنا الأقدام علمت ان حمراننا وسوداننا لا يُغنون عنا شيئا، وأني قد وهبت لك ذلك المال بحمرانه وسودانه، فخذه خضرًا ذخرًا والسلام.

فكتب إليه: لعبد الله معاوية أمير المؤمنين من عبد الله بن الزبير، أما بعد، فقد غلبتنا بحلمك، وجدت لنا بمالك، فجزاك الله يا أمير المؤمنين خيرًا، فلما أتى الكتاب معاوية قال ليزيد يا بني أهذا خير أم ما أردت؟

وأنشد معاوية رجلٌ شعرًا قاله عبد الله بن همام السلولي (٣): [من الوافر]

حشينا الغيظ حتى لو سُقينا … دماء بني أمية ما روينا (٤)

لقد ضاعت رعيتكم وأنتم … تصيدون الأرانب غافلينا

فقال: ما ترك ابن همام شيئًا، وذكر انه لو شرب دماءنا ما اشتفى اللهم اكفناه.

وعن المدائني قال: قال معاوية: إني لأرفع نفسي عن أن يكون ذنب أعظم من عفوي، وجهل أكبر من حلمي، وعَوْرَةٌ لا أُواريها بستري، وإساءة لا تمحوها حسناتي (٥)، وكان يقول: لو أنَّ بيني وبين الناس شعرة لما انقَطَعَتْ، قيل له: كيف؟ قل: إن جذبوها أرسلتها، وإن خلوها جذبتها (٦).

ومما يؤثر عنه انه قال لابنه يزيد: يا بني اتخذ المعروف عند ذوي الأحساب


(١) في الانساب: علمت من عبد الله إن سودانك وحمرانك.
(٢) في الانساب: الدبرة.
(٣) عبد الله بن همام بن نشبة السلولي، شاعر إسلامي، كان يقال له العطار لحسن شعره، له اخبار، يقال انه أول من جمع بين التعزية والتهنئة حين عزى يزيد بوفاة ابيه وخلافته مات ايام سليمان بن عبد الملك سنة ١٠٠ هـ،
انظر: الشعر والشعراء ٢٤٨ وطبقات ابن سلام ص ٥٢٢ والسمط ص ٦٨٣ والخزانة ٣/ ٦٣٨.
(٤) البيتان من أبيات له في أنساب الاشراف ٤/ ٧٤، وهي لعبد الرحمن بن همام في مروج الذهب ٢/ ٢١.
(٥) انساب الاشراف ٤/ ٣٢ وعيون الاخبار ١/ ٢٨٣ ونهاية الارب ٦/ ٨.
(٦) انساب الاشراف ٤/ ٩٨ وعيون الاخبار ١/ ٩ والعقد الفريد ١/ ٢٥.

<<  <  ج: ص:  >  >>