جمل يحمل ما حُمِّل، وجَبَلٌ لو تقسَّمَهُ أهل الارض ما حوّل، فجثا على ركبتيه، وجفا المنام مقلتيه، وادّكر تحيف القوم لممالكه، وتحيّن الأوقات لمهالكه، فشمر لطلابها، وضمر خيله لغلابها، وبدأ بالعود الى دمشق، وخادع عمرو بن سعيد (١) حتى استنزله عن سريرها، واستقله ان يبيت ضجيع سرورها، وما زال به حتى استدعاه خاليًا، واستدناه مماليا، حتى إذا كان قريبًا منه وثَبَ عليه، وبثَّ سرّ حتفه إليه، ثم أشرف فهاله تجمّع أصحابه بداره ليوقع ما به وبداره، وكان لا طاعة له على جمعهم، ولا طاقة له بدفعهم، فَوَجَدَ الحيلة أنصر له وأقدر على هدر دم من قتله، فكأنما كان سكرًا أصحابه، فألقى رأسه الى أصابه مقرونًا بنثار من الذهب شغلهم لَقْطُهُ عن أخذ ثار من ذهب، فراح دَمُهُ مطلولًا، وطاح لا يجد عنه سائلًا ولا مسؤولًا، ثم يطلب الاثنين ولم يُبْدِ اكتراثه، ولا قال وما شرّ الثلاثة (٢)، فوجه الحجاج نحو ابن الزبير يمحو بقية ذلك الخير، ففعل تلك القبائح وأكثر بمكة لا بمنى الذبائح، من دماء محرّمات سفكها وحرمات انتهكها، ورمى بخطارة المنجنيق حجارة البيت العتيق، نَصَبها على أبي قبيس وقيقعان (٣)، ورمى الكعبة، فتجافتها الحجارة، ورامتها فما أوْمى لها بنانها بإشارة، وحَمَتْ الملائكة حماها، وصانت عن تقبيل ثغور تلك الحجارة لماها، ففطن ان الملائكة تدفع عن أركانها، وتمنع من مكانها، فلطخ الحجارة بالعذرة وألقاها، إذ كانت الملائكة تَتَوَقاها، فأصاب جدارها، وأصار الى الأرض أحجارها، فأحلّ من الحرم ما لم يحلّ، واستحل ما لا يجوز لمستحل، وبث الأضاليل، ونصب حبائل الأباطيل، وقصد بيت الله بأشدّ مما قصده أبرهة عام الفيل، إلا أن حرمة تسميته بالإسلام دَفَعَت عنه عاجل البلاء وأخرته، وما نقول انها سامحته، ولكنّها أنظرته، ثم لما قتل ابن الزبير أمر له بجذع فَنُصب، ومن به إليه فَصْلِب، وكانت أُمّه قد قالت له: يا بني لأن تقتل خير من أن تُخْتَلْ (٤)، فقال: أخشى أن يمثلوا بي فقد نمى إلي أنهم تقبلوا له بصلبي، يا بني لا يضرك هرير النبح فالشاة لا يؤلمها السلخ بعد الذبح، وكان ابن عمر رضي الله
(١) عمرو بن سعيد الاشدق مضت ترجمته، وانظر خبر قتله في مروج الذهب/ ٢/ ٧٨ وتاريخ الطبري ٦/ ١٤٠ - ١٤٨ والاخبار الطوال ص ٢٨٦ وانساب الاشراف ٥/ ٢٧. (٢) تضمين لقول عمرو بن هند في معلقته: وما شر الثلاثة ام عمرو … بصاحبك الذي لا تصبحينا (٣) ابو قبس وقعيقعان جبلان مشرفان على مسجد مكة، وجه ابي قبيس الى قعيقعان ومكة بينهما، (ياقوت - ابو قبس). (٤) تختل: تخدع والمخاتلة، الخداع والمراوغة.