للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

عنهما يقول: جنبوني خشبة ابن الزبير، ويتجنبها، ويمشي بها ولا يقربها، فعبر ليلةً عليها، فوقف عليه مترحمًا وقال: والله لقد عهدتك صوّاما قوامًا، وإنما أعجبتك بغلات معاوية، وولى ودموعه هاوية.

وذلك بعد أن نَهَدَ عبد الملك الى مصعب ونهض، كأنه جَمَلٌ مصعب، فسار يتقدم في فرسانه ويتحطّم في أرسانه، ولم يكن همته فيما يصان به عرينها، حصان عليها عقد درّ يزينها (١)، إذ كان من قوم من عهد لؤي ابن غالب، ما لوى به غالب، إذا حاربوا شدّوا دون النساء مآزرهم، وشدّ بصدق الحفيظة موازرهم، وأعمل الحيلة على مصعب بكتب الى أصحابه كتبها، وأعاجيب كذب كذبها، ثم كان الملتقى فَخَذَلَ مصعبًا أصحابُهُ وخَزَل جمعه حتى خَلَتْ منهم رحابه، فتركوه وأسلموه، وخلوه لمضارب السيوف، وسلّموه.

وكان عبد الملك يكنى بأبي الذباب لبَخَرِهِ، كانت لثته تدمى دائمًا فتتغير ريحها، وكان مظفرًا على أعدائه، فإنه غَلَبَ في أيامه على عدة رجال أكابر، كلهم كانوا في زمانه يبارزونه في السلطان مثل عبد الله بن الزبير والمصعب أخوه وعمرو بن سعيد الأشدق، وعبد الرحمن بن الأشعث (٢)، فكل واحد منهم ما قام له معه قائمة، وكلهم قتل، وحكم قاضيه ومع هذا فلم ينفعه ولا أغنى عنه شيئًا حتى تمت أيامه، وأتاه حمامه، ويؤيد هذا خبر الرجل الذي وَرَدَ على معاوية وكان من أهل الكتاب والعلم بالحدثان، فقال له معاوية: أتجدني في شيء من كتاب الله؟ قال: أي والله حتى لو كنت في أمة من الأمم لوضعتُ يدي عليك من بينهم، قال: فكيف تجدني؟ قال: أول من يحوّل الخلافة ملكًا، والخشونة لينًا، ثم ان ربك من بعدها لغفور رحيم، قال له معاوية: ثم يكون ماذا؟ قال: ثم يكون منك رجلٌ شرّابٌ للخمر، سفاك للدماء، يصطنع الرجال، ويحتجز الأموال، ويجنب الخيول، ويبيح حرمة الرسول، قال: ثم


(١) تضمين لقول كثير عزة، وكان عبد الملك قد تمثل به لما أراد المسير الى مصعب فنهته عاتكة بنت يزيد فلما رأت جده في الخروج بكت:
إذا ما أراد الغزو لم تُثن همه … حصان عليها نظم در زنها
نهته فلمالم تر النهي عاقه … بكت فبكى مما عراها قطينها
(انظر الاخبار الموفقيات ص ٥٤٥).
(٢) عبد الرحمن بن الأشعث بن قيس الكندي، أمير سجستان ثار على الحجاج سنة ٨٢ هـ وبايعه أهل العراق، فدخل البصرة وهرب منها الحجاج، ثم حدثت بينها حروب كثيرة انتهت بأسر ابن الاشعث وقتله سنة ٨٤ هـ، انظر اخباره في تاريخ الطبري ٦/ ٣٤٢ وكامل ابن الأثير ٤/ ٤١٣ وما بعدها والوافي بالوفيات ١٨/ ٢٢٥ والبداية والنهاية ٩/ ٣٥ والنجوم الزاهرة ٢٢/ ٢٠٢ ومروج الذهب ٢/ ١٠١ والاخبار الطوال ص ٣١٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>