لما يريد الله ﷿ من هلاك العالم بالطوفان. ووقع الموت في الناس والبهائم، ثم هلك أقروش، وليس له ولد ولا أخ.
فاجتمع الناس على تمليك رجل من أهل بيت الملك فملكوا عليهم أومالينوس وخرج بجيوش عظيمة ومعه الحكماء بأعمال عظيمة عملوها له، فغزا الأمم تارة هو وتارةً يرسل ابن عم له اسمه فرعان بن مِسْوَر.
فمات مسمومًا وملك بعده فرعان بن مسور، وجلس على سرير الملك فلم ينازعه أحد، وفرح الناس بمكانه، فلما استتب له الملك علا في الأرض وعتا وتجبّر، واغتصب الناس أموالهم وأنْفُسَهم ونساءهم، وكتب إلى (الدمشيل بن محويل)(١) ببابل يشير عليه بقتل نوح ﵇، وإغراق السفينة، وكان عند أهل مصر علم بالطوفان، فاتخذوا له سراديب تحت الأرض وصفحوها بالزجاج وحبسوا فيها الرياح بتدبيرهم، واتخذوا فرعان الملك منها عدةً له ولأهله وأقام منهمكًا في ضلاله وظلمه، مقبلًا على لعبه ولهوه، واستخفَّ بالكهنة والهياكل، ففسدت في أيامه الأرض، ونقص الزرع، وأَجْدَبَتْ النواحي. وظلم الناس بعضهم بعضًا، ثم جاءهم الطوفان، وأقبل المطر عليهم فقام فرعان الملك سكرانًا يريد الهرب إلى الهرم فتخلخلت الأرض به، وطَلَبَ الأبواب فخانته رجلاه، وسقط يخور خوار الثور إلى أن أهلكه الله بالطوفان وهلك من دخل الأسراب بغمها، وبلغ الماء في الأهرام إلى مكان التربيع، وهو ظاهر عليها إلى الآن، وهلكت الأمم بالطوفان، فكان عدة من ملك مصر إلى مجيء الطوفان تسعة عشر ملكًا.
ثم ملكها (٢) بعد الطوفان من نذكره على ما ذكره إبراهيم بن القاسم الكاتب نقلًا عن إبراهيم بن وصيف (٣).
وأولهم مصريم بن بيصر بن حام بن نوح، وكان جده لأبيه أفليمون (٤) الحكيم أحد من آمن بنوح، فلما أراد نوح قسمة الأرض بين بنيه قال له أفليمون: يا نبي الله، ابعث معي ابني حتى أمضي به إلى بلدي لأوقفه على كنوزه وأعرفه خفايا علمه ورموزه، فلما قرب من مصر بنى له عريشًا من أغصان الشجر وستره بحشيش الأرض،
(١) في نهاية الأرب ١٥/ ٣٩: الدرمسيل ملك بابل. (٢) نص كلام النويري في نهاية الأرب ١٥/ ٤٣. (٣) إبراهيم بن وصيف شاه، مؤرخ له «عجائب الدنيا» و «جواهر البحور ووقائع الدهور في أخبار الديار المصرية»، توفى سنة ٥٩٦ هـ. الأعلام ١/ ٧٨. (٤) في نهاية الأرب: فليمون.