واقام الوليد بمصر استعبد أهلها، واستباح حريمهم وأموالهم، فأبغضوه وسئموا منه، ثم إنه ركب ليتصيد فألقاه فرسه في وهدة فهلك.
ثم ملك بعده ابنه الريان (١)، وهو فرعون يوسف، والقبط تسميه نهراوش، وكان ينكر فعل أبيه، فأحسن السيرة وأنعم، ثم ملك على الرعية رجلًا اسمه قطفير وقيل أطغين من أولاد الوزراء (٢) وهو المسمى بالعزيز، فتمكن لعقله الراجح ورأيه الصائب، وخلا الريان بلذاته، فقصده أبو قابوس العمليقي (٣) فأنفذ إليه الريان جيشًا كثيفًا، فأقام يُحاربه ثلاث سنين ثم ظفر به العمليقي، ودخل أرض مصر، فانتبه الريان من نومه، وجمع له جمعًا كبيرًا، وخرج بهم إليه ولاقاه، فانهزم العمليقي، واتبعه الريان إلى حدود الشام، وقيل بل بلغ الموصل، ثم عاد إلى مصر، وفي أيامه قدم يوسف مصر صغيرًا، وقد تقدم ذكره فيما سلف من هذا الكتاب ويقال: إن الريان كان آمن على يديه ثم هلك الريان وملك بعده ابنه دريموش (٤)، ويسميه أهل الأثر دارم، وكان يوسف ﵇ خليفته، كما كان مع أبيه، وذلك بعهد تقدم من الريان فشرع دريموس يخالف عادة أبيه، وكان يوسف ﵇ يسدِّدُه، فربّما قبل منه وربما خالفَهُ، وظهر في أيامه معدن فضة على ثلاثة أيام من النيل، وركب في ليلة مقمرة مركبًا صغيرًا ليعدي به عَرْض النيل فثارت ريح (٥) عاصفة. فغرق هو ومن معه، وأصبح الناس ساكتين فيه لا يعلمون ما نزل به إلى أن وجدت جثته بشطنوف، فعُرف بخاتمه، وبجوهر كان تقلد به، فحمل إلى منف.
وملك بعده ابنه معاديوش (٦)، ويُسميه أهل الأثر معدان بن دارم، وكثر في زمانه بنو إسرائيل، فعزلهم في مكان قبلي مُنف، فاجتمعوا فيه وبنوا لهم معبدًا كانوا يتعبدون فيه، ويتلون صحف إبراهيم ﵇، وعتا معاديوس، وكفر وادعى الربوبية. ثم ملك ابنه أكشامش (٧) الملك مدنًا كثيرة وطالب الناس بلزوم الأعمال، وإظهار الصنائع، وفي أيامه استعبدت بنو إسرائيل عن رأي وزير كان له اسمه طلما. ويقال إن أوّل وضع منارة الاسكندرية كان في أيامه، ثم تغيّب اكشاش وبقي وزيره يدبّر الملك إحدى عشرة سنة ثم
(١) نهاية الأرب ١٥/ ١٢١. (٢) في نهاية الأرب ١٥/ ١٢٠: من أهل بيته. (٣) في نهاية الأرب ١٥/ ١٢١: اسمه عاكن بن بيجوم، وكنيته أبو قابوس. (٤) نهاية الأرب ١٥/ ١٢٧ وانظر: خطط المقريزي ١/ ٦٧. (٥) الأصل: ريحًا. (٦) نهاية الأرب ١٥/ ١٣٠. (٧) في نهاية الأرب ١٥/ ١٣٢: اكسامس ويسميه أهل الأثر: كاسم بن معدان.