بايع فقال: لا حتى يجتمع الناس، والله ما عليك منّي بأس، فقال: خلّوا سبيله، وكذلك تخلف عن البيعة عبد الله بن عمر. وبايعته الأنصار إلا قليلًا، منهم حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، ومسلمة بن مخلد، وأبو سعيد الخدري، والنعمان بن بشير ومحمد بن مسلمة، وفضالة بن عبيد، وكعب بن عجرة، وزيد بن ثابت، وكان هؤلاء قد ولاّهم عثمان على الصدقات وغيرها (١). وكذلك لم يبايع عليًّا سعيد بن زيد وعبد الله بن سلام وصهيب، وأسامة بن زيد وقدامة بن مظعون (٢) والمغيرة بن شعبة وسمّى هؤلاء المعتزلة، لاعتزالهم بيعة عليّ، وسار النعمان بن بشير إلى الشام، ومعه ثوب عثمان ملطخ بالدم، فكان معاوية يعلّق قميص عثمان على المنبر ليحرّض أهل الشام على قتال علي وأصحابه، وكلّما رأوا أهل الشام ذلك ازدادوا غيظًا.
وقد روي في بيعة عليّ غير ذلك، فقيل (٣): لما قتل عثمان بقيت المدينة خمسة أيام والغافقي أمير المصريين ومن معه يلتمسون من يقوم بالأمر فلا يجدونه، ووجدوا سعدًا والزبير قد خرجوا من المدينة، ووجدوا بني أمية قد هربوا، وأتى المصريون عليًّا فباعدهم، وأتى الكوفيون الزبير والبصريون طلحة فباعداهم، وكانوا مع اجتماعهم على قتل عثمان مختلفين فيمن يلي الخلافة حتى غشي الناس عليًّا، وقالوا نبايعك فقد ترى ما نزل بالإسلام وما ابتلينا به، فامتنع عليّ فألحوا عليه، فأجابهم وقال لهم: إن دخل طلحة والزبير فقد استقامت البيعة، فبعث المصريون إلى الزبير حكيم بن جبلة (٤) ومعه
ثم بعث إلى أسامة بن زيد .. وقيل له ألا تبعث إلى حسان بن ثابت وكعب بن مالك وعبد الله بن سلام؟ فقال: لا حاجة لنا فيمن لا حاجة له فينا. قال ابن أبي الحديد أما أصحابنا، فإنهم يذكرون في كتبهم أن هؤلاء الرهط إنما اعتذروا بما اعتذروا به لما ندبهم إلى الشخوص معه لحرب أصحاب الجمل، وإنهم لم يتخلّفوا عن البيعة. وفي تاريخ اليعقوبي: ٢/ ١٦٥: وبايع الناس إلا ثلاثة نفر من قريش: مروان بن الحكم وسعيد بن العاص والوليد بن عقبة. (١) انظر تاريخ الطبري ٤/ ٤٢٩ و ٤٣٠. (٢) كذلك ورد في تاريخ الطبري ٤/ ٤٣٠ وفي وقعة صفين أن عليًّا ﵇ ولاه كسكر. (٣) رواية سيف بن عمر التميمي. انظر: تاريخ الطبري ٤/ ٤٣٢ وما بعدها. (٤) حكيم بن جبلة بن حصن بن أسود العبدي، من أهل البصرة من الشجعان النساك، وكان من الثائرين على عثمان، فلما ولّى الإمام عليّ عثمان بن حنيف البصرة جعله على شرطتها، ثم لما قدم طلحة والزبير البصرة وغدرا بابن حنيف خرج في عشريته مطالبًا بإطلاقه، فحارباه، فقتل ﵀. انظر: سير أعلام النبلاء ٣/ ٥٣١، والوافي بالوفيات ١٣/ ١٢٩، وتاريخ الطبري (انظر الفهرس).