للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وإفراط تخوف الناس منهم؛ فإنَّهم لكثرة خوفهم منه تجنبوا لقاءه فزالت عنهم رتبهم وتغيرت عليهم أحوالهم. ولقد كان يقنع منهم بالطاعة والانقياد والمدارة بالمال عن استئصال البلاد ولكن المقادير لا ترد سهامها ولا تصدّ أحكامها.

وفي هذه المملكة عدة ملوك مثل صاحب هَرَّى (١) - وهي - هَرَّى من خراسان - في أخريات البلاد مجاورة لكرمان، وبها ملك من بقايا ملوك السبكتكينية يتوارثون ملكها ذات بلاد وأعمال وجباية وأموال وسلطانها عسكر، يقال: إنها عشرون ألفًا، وهم لا يبلغون ذلك. وكان قد آل ملكها إلى غياث الدين محمد السبكتكيني، وإليه لجأ جوبان بن جلو - أمير ألوس إيران - في واقعته مع السلطان أبو سعيد فإن لصحبة كانت بينهما، وكان مع جوبان ولده خلوقان وهو ابن بنت السلطان محمد أولجايتو خدابندة - وهي أخت السلطان أبي سعيد فتلقاهما وأنزلهما في القلعة عنده ثم خنقهما تقربًا إلى السلطان أبي سعيد وبعث بإبهام جوبان وكان بهاإصبع زائدة إلى حضرة بوسعيد إعلامًا بتحقيق قتله. وكان بوسعيد قد تزوج ببغداد خاتون بنت جوبان بعد تحيده منه فأمر بإقامة العزاء عليها، ثم نقل جثتهما إلى حضرته وجدد العزاء عليهما، ثم حملا إلى مكة المعظمة فطيف بهما، ثم حملا إلى المدينة الشريفة النبوية فدفنا بالبقيع منها (٢).

ومات غياث الدين - المذكور - وانتقل الملك بعده لولده.

وهذه هري مدينة جليلة من أجل مدن خراسان مشهورة موصوفة بالحسن والنعمة وبها الماء السارح والشجر الكثير رخية الأسعار حكمها حكم ما سواها من خراسان إلا إنها مملكة تتداولها ملوك، وكلهم في طاعة صاحب إيران وتحت أمره. وعسكر هري من الفرس وفيهم البهالوين (٣) ذوو البأس والقوة.

وأخبرني شيخنا فريد الدهر شمس الدين أبو الثناء محمود الأصفهاني: أنَّ بالقرب من هري شيخ موجود اسمه شهاب الدين أحمد الجامي جليل القدر واسع الحرمة والمال، له خمسة آلاف مملوك يصرفهم في أرزاقه، ومكاسبهم كثيرة ومستغلات أملاكه وزروعه وتربية دود القز واستخراج الحرير له، وعمله بما يجيء منه


(١) هراة: مدينة عظيمة من مدن خراسان بناها الإسكندر وحولها سور عظيم، وليس بخراسان أجمل ولا أعمر ولا أخصب ولا أكثر خيرًا منها آثار البلاد (٤٨١) ولأهلها صلاح وعفاف وديانة «رحلة ابن بطوطة ٢٥٤».
(٢) وفي رحلة ابن بطوطة ١٥٤ إنهما دفنا في مكة.
(٣) البهالوين: جمع مفرده بهلوي ويعني الشجاع والبطل.

<<  <  ج: ص:  >  >>