ويحيط بالأبلة نهرها المشتق لها ونهر المعقل؛ فلهذا صارت بين سلكيهما في أبهى منظر وأحرز معقل، وبها النخيل المائسات القدود المائلات في خُضْر البرود شيء رطبها الجنية، وثمراتها الهنية كأنها السكر المذاب بل شفاه لعس معسولة الرضاب.
وأما شعب بوان فهو بظاهر همدان يشرف عليها من جبل يقال له بالفارسية الرند، والشعب في سفحه يضاحك في الأفق ثغر، صبحه، والأنهار تنحط عليه من أعلى الجبل، ويناجيه صبها برقة الغزل، يتيه على أنديتها مقبلًا، ويترامى على شفاهها الحو مقبّلًا، قد تكسرت على رياها فأوهمت الغواني في حلاها بقلب عوارضها المخضرة كالعذار، والتفتت حدائقها إليها كأَنَّها اعتذار؛ وهو من أبدع بقاع الأرض منظرًا، وأندى دوحًا نضرًا.
قال المبرد (١): أشرفت على شعب بوان فنظرت فإذا بماء منحدر كأَنَّه سلاسل فضة وتربة كالكافورة، وروضة كالثوب الموشى، واشجار متهادلة، وأطيار متجاوبة.
ولقد حدثني من رآها، وطيب مفارقه بثراها، أنها تذهب بالألباب، ويذهب بها عصر الشباب، لا تكاد الشمس تسقط من إردانها، ولا الكوكب تغيب من فرجات أغصانها.
(١) محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الثمالي الأزدي، أبو العباس، المعروف بالمبرد: إمام العربية ببغداد في زمنه، وأحد أئمة الأدب والأخبار. مولده بالبصرة سنة ٢١٠ هـ/ ٨٢٦ م. ووفاته ببغداد سنة ٢٨٦ هـ/ ٨٩٩ م. من كتبه: «الكامل - ط» و «المذكر والمؤنث - خ» نسخة منه في أول المجموعة ٥٣٤ في الاسكوريال، و «شرح لامية العرب - ط» مع شرح الزمخشري، وإ «عراب القرآن» و «طبقات النحاة البصريين» و «نسب عدنان وقحطان - ط» رسالة. والمقرب - خ قال الزبيدي في شرح خطبة القاموس: المبرد بفتح الراء المشددة عند الأكثر وبعضهم يكسر. ترجمته في: بغية الوعاة ١١٦، ووفيات الأعيان ١/ ٤٩٥ وفيه: وفاته (سنة ٢٨٦ وقيل ٢٨٥) وسمط اللآلي ٣٤٠ والسيرافي ٩٦ وتاريخ بغداد/ ٣/ ٣٨٠ و آداب اللغة ٢/ ١٨٦ ولسان الميزان ٥/ ٤٣٠ ونزهة الألبا ٢٧٩ وطبقات النحويين ١٠٨ - ١٢٠، وعاشر افندي ٦٧، الأعلام ٧/ ١٤٤.