للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وَفَرُّوا وَاعْتَصَمُوا بِالْجِبَالِ وَالتِّلَالِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَسْلَمْ مِنْهُمْ إِلَّا الْقَلِيلُ، فَأَمْسَى النَّاسُ وَقَدِ اسْتَقَرَّتْ خَوَاطِرُهُمْ، وَتَبَاشَرُوا لِهَذَا الْفَتْحِ الْعَظِيمِ وَالنَّصْرِ الْمُبَارَكِ. ا. هـ.

وَقَالَ الصَّفَدِيُّ: وَلَمْ يَنكَسِرِ التَّتَارُ مِثْلَ هَذِه الْمَرَّةِ، وَحَكَى لِي جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ دِيْرِ يَسِيْرَ أَنَّهُمْ كَانُوا يأْتُونَ إِلَيْنَا عِشْرِيْنَ عِشْرِيْنَ وَأكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ وَيَطْلُبُونَ مِنَّا أَنْ نُّعَدِّيَ بِهِمُ الْفُرَاتَ فِي الزَّوَارِيْقِ إِلَى ذَلِكَ الْبَرِّ، فَمَا نُعَدِّي بِمَرْكَبٍ إِلَّا وَنَقْتُلَ كُلَّ مَنْ فِيهِ حَتَّى إِنَّ النِّسَاءَ كُنَّ يَضْرِبْنَهُمْ بِالْفُؤُوسِ، وَنَذْبَحُهُمْ فِي ذَلِكَ، فَمَا تَرَكْنَا أَحَدًا مِنْهُم يَعِيْشُ، وَهَذِه الْوَاقِعَةُ إِلَى الْآنَ فِي قُلُوبِهِمْ. ا. هـ. (١)

وَكَانَ لِلْحَبْرِ الْهُمَامِ وَالْعَلَمِ الْإِمَامِ وَالنِّحْرِيْرِ الْمِقْدَامِ شَيْخِ الْمُسْلِمِيْنَ وَالْإِسْلَامِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْحَلِيْمِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ تَيْمِيَّةَ عَلَيْهِ رَحْمَةُ الْمَلِكِ الْعَلَّامِ أَثَرٌ فِي ذَلِكَ ظَاهِرٌ وَجُهْدٌ وَافِرٌ، وَرَجَعَ إِلَى دِمَشْقَ مِنَ الْجِهَادِ وَدَخَلَهَا فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ رَابِعَ الشَّهْرِ، وَمَعَهُ أَصْحَابُهُ، يُبَشِّرُونَ النَّاسَ بِالنَّصْرِ، قَالَ تِلْمِيْذُهُ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيْرٍ (ج ١٤/ صـ: ٣٠): فَفَرِحَ النَّاسُ بِهِ، وَدَعَوْا لَهُ وَهَنَّأُوهُ بِمَا يَسَّرَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الْخَيْرِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ نَدَبَهُ الْعَسْكَرُ الشَّامِيُّ أَنْ يَسِيرَ إِلَى السُّلْطَانِ يَسْتَحِثُّهُ عَلَى السَّيْرِ إِلَى دِمَشْقَ، فَسَارَ إِلَيْهِ، فَحَثَّهُ عَلَى الْمَجِئْ إِلَى دِمَشْقَ، بَعْدَ أَنْ كَادَ يَرْجِعُ إِلَى مِصْرَ، فَجَاءَ هُوَ وَإِيَّاهُ جَمِيعًا، فَسَأَلَهُ السُّلْطَانُ أَنْ يَقِفَ مَعَهُ فِي مَعْرَكَةِ الْقِتَالِ، فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ: السُّنَّةُ أَنْ يَقِفَ الرَّجُلُ تَحْتَ رَايَةِ قَوْمِهِ، وَنَحْنُ مِنْ جَيْشِ الشَّامِ، لَا نَقِفُ إِلَّا مَعَهُمْ، وَحَرَّضَ السُّلْطَانَ عَلَى الْقِتَالِ، وَبَشَّرَهُ بِالنَّصْرِ، وَجَعَلَ يَحْلِفُ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ: إِنَّكُمْ مَنْصُورُونَ عَلَيْهِمْ فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ، فَيَقُولُ لَهُ الْأُمَرَاءُ: قُلْ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فَيَقُولُ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَحْقِيقًا، لَا تَعْلِيقًا.

وَأَفْتَى النَّاسَ بِالْفِطْرِ مُدَّةَ قِتَالِهِمْ وَأَفْطَرَ هُوَ أَيْضًا، وَكَانَ يَدُورُ عَلَى الْأَجْنَادِ وَالْأُمَرَاءِ، فَيَأْكُلُ مِنْ شَئٍ مَعَهُ فِي يَدِهِ؛ لِيُعْلِمَهُمْ أَنَّ إِفْطَارَهُمْ لِيَتَقَوَّوْا عَلَى الْقِتَالِ أَفْضَلُ، فَيَأْكُلَ النَّاسُ. ا. هـ.


(١) "الوافي بالوفيات" (ج ٤/ صـ: ٢٥٦).

<<  <   >  >>