للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

• وَمِنْ تِلْكَ الانتِصَارَاتِ الْعَظِيْمَةِ: وَقْعَةُ شَقْحَبَ (مَرْجِ الصُّفَّر)، وَهُوَ مَوْضِعٌ جَنُوبَ دِمَشْقَ، بَيْنَ الْمُسْلِمِيْنَ مِنْ جِهَةٍ، بِقِيَادَةِ السُّلْطَانِ الْمَلِكِ النَّاصِرِ مُحَمَّدِ بْنِ قَلَاوُونَ، وَمَنْ مَّعَهُ مِنَ الأُمَرَاءِ مِنَ الْمَمَالِيْكِ فِي مِصْرَ وَالشَّامِ، وَعَلَى رَأْسِهِمْ: الْأَمِيرُ رُكْنُ الدِّينِ بَيْبَرْسُ الْجَاشْنَكِيرُ، وَالْأَمِيرُ حُسَامُ الدِّينِ لَاجِينُ الْمَنْصُورِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالْأُسْتَادَارِ، وَالْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ كَرَايُ الْمَنْصُورِيُّ، وَبَيْنَ التَّتَارِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، بِقِيَادَةِ أَمِيْرِهِمْ قَطْلُوشَاه، الَّذِي كَانَ نَائِبًا لِغَازَانَ سُلْطَانِ التَّتَارِ، وَكَانَتْ فِي عَصْرِ السَّبْتِ ثَانِيَ شَهْرِ رَمَضَانَ، سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِ مِائَةٍ (٧٠٢ هـ).

قِالِ الْإِمَامُ الْحَافِظُ ابْن كَثِيْرٍ فِي "الْبِدَايَةِ" (ج ١٤/ صـ: ٣٠ - ٣١): وَكَانَ الْخَلِيفَةُ أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ فِي صُحْبَةِ السُّلْطَانِ، وَلَمَّا اصْطَفَّتِ الْعَسَاكِرُ وَالْتَحَمَ الْقِتَالُ ثَبَتَ السُّلْطَانُ ثَبَاتًا عَظِيمًا، وَأَمَرَ بِجَوَادِهِ، فَقُيِّدَ حَتَّى لَا يَهْرُبَ، وَبَايَعَ اللَّهَ تَعَالَى فِي ذَلِكَ الْمَوْقِفِ، وَجَرَتْ خُطُوبٌ عَظِيمَةٌ، وَقُتِلَ جَمَاعَةٌ مِنْ سَادَاتِ الْأُمَرَاءِ يَوْمَئِذٍ، مِنْهُمُ الْأَمِيْرُ حُسَامُ الدِّيْنِ لَاجِيْنُ الرُّومِيُّ أُسْتَاذُ دَارِ السُّلْطَانِ، وَثَمَانِيَةٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ الْمُتَقَدِّمِيْنَ مَعَهُ، وَخَلْقٌ مِنْ كِبَارِ الْأُمَرَاءِ، ثُمَّ نَزَلَ النَّصْرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ قَرِيبَ الْعَصْرِ يَوْمَئِذٍ، وَاسْتَظْهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.

فَلَمَّا جَاءَ اللَّيْلُ لَجَأَ التَّتَرُ إِلَى اقْتِحَامِ التُّلُولِ وَالْجِبَالِ وَالْآكَامِ، فَأَحَاطَ بِهِمُ الْمُسْلِمُونَ يَحْرُسُونَهُمْ مِنَ الْهَرَبِ، وَيَرْمُونَهُمْ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ إِلَى وَقْتِ الْفَجْرِ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ مَا لَا يَعْلَمُ عَدَدَهُ إِلَّا اللَّهُ ﷿، وَجَعَلُوا يَجِيئُونَ بِهِمْ فِي الْحِبَالِ، فَتُضْرَبُ أَعْنَاقُهُمْ، ثُمَّ اقْتَحَمَ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ الْهَزِيمَةَ، فَنَجَا مِنْهُمْ قَلِيلٌ، ثُمَّ كَانُوا يَتَسَاقَطُونَ فِي الْأَوْدِيَةِ وَالْمَهَالِكِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ غَرِقَ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ فِي الْفُرَاتِ؛ بِسَبَبِ الظَّلَامِ، وَكَشَفَ اللَّهُ بِذَلِكَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ غُمَّةً عَظِيمَةً شَدِيدَةً، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.

وَقَالَ : ثُمَّ جَاءَتْ بِطَاقَةٌ بَعْدَ الْعَصْرِ مِنْ نَائِبِ السُّلْطَانِ جَمَالِ الدِّينِ آقُوشَ الْأَفْرَمِ إِلَى نَائِبِ الْقَلْعَةِ مَضْمُونُهَا أَنَّ الْوَقْعَةَ كَانَتْ مِنَ الْعَصْرِ يَوْمَ السَّبْتِ إِلَى السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ يَوْمِ الْأَحَدِ، وَأَنَّ السَّيْفَ كَانَ يَعْمَلُ فِي رِقَابِ التَّتَرِ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَأَنَّهُمْ هَرَبُوا

<<  <   >  >>