يُعْلِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ لَا يَغْفِرُ الشرك.
[٣٧] قوله تعالى: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي} [إبراهيم: ٣٧] أَدْخَلَ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ، وَمَجَازُ الْآيَةِ: أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي وَلَدًا، {بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ} [إبراهيم: ٣٧] وَهُوَ مَكَّةُ لِأَنَّ مَكَّةَ وَادٍ بَيْنَ جَبَلَيْنِ، {عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ} [إبراهيم: ٣٧] سَمَّاهُ مُحَرَّمًا لِأَنَّهُ يَحْرُمُ عِنْدَهُ مَا لَا يَحْرُمُ عِنْدَ غَيْرِهِ {رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ} [إبراهيم: ٣٧] الْأَفْئِدَةُ جَمْعُ الْفُؤَادِ {تَهْوِي إِلَيْهِمْ} [إبراهيم: ٣٧] تشتاق وتحن إليهن. قَالَ السُّدِّيُّ: مَعْنَاهُ: أَمِلْ قُلُوبَهُمْ إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ، قَالَ مُجَاهِدٌ: لَوْ قَالَ أَفْئِدَةَ النَّاسِ لَزَاحَمَتْكُمْ فَارِسُ وَالرُّومُ وَالتُّرْكُ وَالْهِنْدُ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَحَجَّتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسُ وَلَكِنَّهُ قَالَ: أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ وَهُمُ الْمُسْلِمُونَ. {وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ} [إبراهيم: ٣٧] مَا رَزَقْتَ سُكَّانَ الْقُرَى ذَوَاتِ الماء، {لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} [إبراهيم: ٣٧]
[٣٨] {رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ} [إبراهيم: ٣٨] مِنْ أُمُورِنَا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُقَاتِلٌ: مِنِ الْوَجْدِ بِإِسْمَاعِيلَ وَأُمِّهِ حَيْثُ أَسْكَنْتُهُمَا بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ. {وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ} [إبراهيم: ٣٨] قيل: هذا كله قول إبراهيم متصل بما قبله. وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ} [إبراهيم: ٣٨]
[٣٩] {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ} [إبراهيم: ٣٩] أعطاني على كبر السن، {إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ} [إبراهيم: ٣٩] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وُلِدَ إِسْمَاعِيلُ لِإِبْرَاهِيمَ وَهُوَ ابْنُ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً، وَوُلِدَ إِسْحَاقُ وَهُوَ ابْنُ مِائَةٍ وَاثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: بُشِّرَ إِبْرَاهِيمُ بِإِسْحَاقَ وَهُوَ ابْنُ مِائَةٍ وَسَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً.
[٤٠] {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ} [إبراهيم: ٤٠] يَعْنِي: مِمَّنْ يُقِيمُ الصَّلَاةَ بِأَرْكَانِهَا ويحافظ عليها، {وَمِنْ ذُرِّيَّتِي} [إبراهيم: ٤٠] يَعْنِي: اجْعَلْ مِنْ ذُرِّيَّتِي مَنْ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ. {رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ} [إبراهيم: ٤٠] أَيْ: عَمَلِي وَعِبَادَتِي، سَمَّى الْعِبَادَةَ دعاء وَقِيلَ: مَعْنَاهُ اسْتَجِبْ دُعَائِي.
[٤١] {رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ} [إبراهيم: ٤١] فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ اسْتَغْفَرَ لِوَالِدَيْهِ وَهُمَا غَيْرُ مُؤْمِنَيْنِ؟ قِيلَ: قَدْ قِيلَ: إِنَّ أُمَّهُ أَسْلَمَتْ، وَقِيلَ: أَرَادَ إِنْ أَسْلَمَا وَتَابَا، وَقِيلَ: قَالَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ أَمْرُ أَبِيهِ وَقَدْ بَيَّنَ الله عذر خليله فِي اسْتِغْفَارِهِ لِأَبِيهِ فِي سُورَةِ التوبة. {وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [إبراهيم: ٤١] أَيِ: اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ كُلِّهِمْ، {يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} [إبراهيم: ٤١] أَيْ يَبْدُو وَيَظْهَرُ. وَقِيلَ: أَرَادَ يوم الحساب يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِلْحِسَابِ، فَاكْتَفَى بِذِكْرِ الْحِسَابِ لِكَوْنِهِ مَفْهُومًا.
[٤٢] قَوْلُهُ تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ} [إبراهيم: ٤٢] الْغَفْلَةُ مَعْنًى يَمْنَعُ الْإِنْسَانَ مِنَ الْوُقُوفِ عَلَى حَقِيقَةِ الْأُمُورِ، وَالْآيَةُ لِتَسْلِيَةِ الْمَظْلُومِ وَتَهْدِيدٌ لِلظَّالِمِ، {إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ} [إبراهيم: ٤٢]
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.