هَانِئٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا فَتَحَ مَكَّةَ خَطَبَنِي فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ فَلَمْ أَحِلُّ لَهُ لِأَنِّي لَمْ أَكُنْ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ وَكُنْتُ مِنَ الطُّلَقَاءِ، ثُمَّ نُسِخَ شَرْطُ الْهِجْرَةِ فِي التَّحْلِيلِ (١) {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [الأحزاب: ٥٠] أَيْ أَحْلَلْنَا لَكَ امْرَأَةً مُؤْمِنَةً وهبت نفسها لك من غير صَدَاقٍ، فَأَمَّا غَيْرُ الْمُؤْمِنَةِ فَلَا تَحِلُّ لَهُ إِذَا وَهَبَتْ نَفْسَهَا منه، وَأَوَّلَ بَعْضُهُمُ الْهِجْرَةَ فِي قَوْلِهِ: {اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ} [الأحزاب: ٥٠] عَلَى الْإِسْلَامِ أَيْ أَسْلَمْنَ مَعَكَ، وَكَانَ النِّكَاحُ يَنْعَقِدُ فِي حَقِّهِ بِمَعْنَى الْهِبَةِ مِنْ غَيْرِ وَلِيٍّ وَلَا شُهُودٍ وَلَا مَهْرٍ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النِّكَاحِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [الأحزاب: ٥٠] كَالزِّيَادَةِ عَلَى الْأَرْبَعِ وَوُجُوبِ تَخْيِيرِ النساء كان من خصائصه لا مشاركة لأحد معه فيه {قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ} [الأحزاب: ٥٠] أَيْ أَوْجَبْنَا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، {فِي أَزْوَاجِهِمْ} [الأحزاب: ٥٠] من الأحكام ألا يَتَزَوَّجُوا أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ وَلَا يَتَزَوَّجُوا إِلَّا بِوَلِيٍّ وَشُهُودٍ وَمَهْرٍ {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} [الأحزاب: ٥٠] أَيْ مَا أَوْجَبْنَا مِنَ الْأَحْكَامِ فِي مِلْكِ الْيَمِينِ، {لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ} [الأحزاب: ٥٠] وَهَذَا يَرْجِعُ إِلَى أَوَّلِ الْآيَةِ أَيْ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَالْمَوْهُوبَةَ لَكَ لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرِجٌ وَضِيقٌ، {وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الأحزاب: ٥٠]
[قوله تعالى تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ] تَشَاءُ. . .
[٥١] {تُرْجِي} [الأحزاب: ٥١] أَيْ تُؤَخِّرُ، {مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي} [الأحزاب: ٥١] أَيْ تَضُمُّ، {إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ} [الأحزاب: ٥١] اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي مَعْنَى الْآيَةِ فَأَشْهَرُ الْأَقَاوِيلِ أَنَّهُ فِي الْقَسْمِ كانت واجبة عَلَيْهِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ سَقَطَ عَنْهُ وَصَارَ الِاخْتِيَارُ إِلَيْهِ فِيهِنَّ، قَالَ أَبُو رَزِينٍ وَابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ حِينَ غَارَ بَعْضُ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَطَلَبَ بِعَضُهُنَّ زِيَادَةَ النَّفَقَةِ فَهَجَرَهُنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهْرًا حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ التَّخْيِيرِ فَأَمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يخيرهن بين الدنيا والآخرة، , أن يُخْلِّيَ سَبِيلَ مَنِ اخْتَارَتِ الدُّنْيَا وَيُمْسِكَ مَنِ اخْتَارَتِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، عَلَى أَنَّهُنَّ أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ وَلَا يُنْكَحْنَ أَبَدًا وَعَلَى أَنَّهُ يُؤْوِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْهُنَّ وَيُرْجِي مَنْ يَشَاءُ فَيَرْضَيْنَ بِهِ قَسَمَ لَهُنَّ أَوْ لَمْ يَقْسِمْ، أَوْ قَسَمَ لِبَعْضِهِنَّ دُونَ بَعْضٍ أَوْ فَضَّلَ بِعَضَهُنَّ فِي النَّفَقَةِ وَالْقِسْمَةِ، فَيَكُونُ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ إِلَيْهِ يَفْعَلُ كَيْفَ يَشَاءُ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ، فَرَضَيْنَ بِذَلِكَ وَاخْتَرْنَهُ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ يَعْنِي تَعْزِلُ مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ بِغَيْرِ طَلَاقٍ وَتَرُدُّ إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ بَعْدَ الْعَزْلِ بِلَا تَجْدِيدِ عَقْدٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تطلق مِنْهُنَّ وَتُمْسِكُ مَنْ تَشَاءُ. وَقَالَ الْحَسَنُ: تَتْرُكُ نِكَاحَ مَنْ شِئْتَ وَتَنْكِحُ مَنْ شِئْتَ مِنْ نِسَاءِ أمتك، قال: وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَطَبَ امْرَأَةً لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ خِطْبَتُهَا حَتَّى يَتْرُكَهَا رَسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقِيلَ: تَقْبَلُ مَنْ تَشَاءُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ اللَّاتِي يَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ لَكَ فَتُؤْوِيهَا إِلَيْكَ وَتَتْرُكُ مَنْ تَشَاءُ فلا تقبلها {وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ} [الأحزاب: ٥١] أَيْ طَلَبْتَ وَأَرَدْتَ أَنْ تُؤْوِيَ إِلَيْكَ امْرَأَةً مِمَّنْ عَزَلْتَهُنَّ عَنِ الْقَسْمِ، {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ} [الأحزاب: ٥١] لَا إِثْمَ عَلَيْكَ فَأَبَاحَ اللَّهُ لَهُ تَرْكَ الْقَسْمِ لَهُنَّ حَتَّى إِنَّهُ لَيُؤَخِّرُ مَنْ يَشَاءُ مِنْهُنَّ فِي نَوْبَتِهَا وَيَطَأُ مَنْ يَشَاءُ مِنْهُنَّ فِي غَيْرِ نَوْبَتِهَا، وَيَرُدُّ إِلَى فِرَاشِهِ مَنْ عَزَلَهَا تَفْضِيلًا لَهُ عَلَى سَائِرِ الرِّجَالِ، {ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ} [الأحزاب: ٥١] أَيِ التَّخْيِيرُ الَّذِي خَيَّرْتُكَ فِي صُحْبَتِهِنَّ أَقْرَبُ إِلَى رِضَاهُنَّ وَأَطْيَبُ لأنفسهن وأقل لحزنهم إِذَا عَلِمْنَ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، {وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ} [الأحزاب: ٥١] أعطيتهن، {كُلُّهُنَّ} [الأحزاب: ٥١] مِنْ تَقْرِيرٍ وَإِرْجَاءٍ وَعَزْلٍ وَإِيوَاءٍ، {وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ} [الأحزاب: ٥١] مِنْ أَمْرِ النِّسَاءِ وَالْمَيْلِ إِلَى بَعْضِهِنَّ، {وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا} [الأحزاب: ٥١]
(١) أخرجه الترمذي في التفسير ٩ / ٧٤ وقال: (حديث حسن لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الوجه) والطبري ٢٢ / ٢٠ وصححه الحاكم ٢ / ٤٢٠.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.