وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَهَذَا لِأَنَّ الْفِعْلَ مِنْ الْأَوَّلِ مُوجِبٌ لِلْمِلْكِ لَهُ وَالْحِلِّ لَهُ، وَالثَّانِي بِفِعْلِهِ أَتْلَفَ صَيْدًا مَمْلُوكًا لِلْأَوَّلِ فَيَضْمَنُ قِيمَتَهُ بِالصِّفَةِ الَّتِي أَتْلَفَهُ، وَإِنَّمَا أَتْلَفَهُ مَجْرُوحًا بِالْجُرْحِ الْأَوَّلِ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ مَاتَ مِنْ الْجِرَاحَتَيْنِ جَمِيعًا، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ نِصْفَ قِيمَتِهِ مَجْرُوحًا بِالْجُرْحِ الْأَوَّلِ، وَنِصْفَ قِيمَتِهِ لَحْمًا ذَكِيًّا؛ لِأَنَّ النِّصْفَ مَاتَ بِفِعْلِهِ، وَالنِّصْفَ بِفِعْلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الثَّانِي أَفْسَدَ عَلَيْهِ اللَّحْمَ فِي ذَلِكَ النِّصْفِ؛ فَلِهَذَا ضَمِنَ نِصْفَ قِيمَتِهِ لَحْمًا ذَكِيًّا، وَإِنْ أَصَابَتْهُ رَمْيَةُ الثَّانِي قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهُ الْأَوَّلُ لَمْ يَحْرُمْ أَكْلُهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ غُرْمُهُ؛ لِأَنَّ رَمْيَةَ الثَّانِي لَمْ تَخْرُجْهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ صَيْدًا، فَقَدْ سَبَقَ مِلْكَهُ فَلَا يَغْرَمُ لَهُ شَيْئًا.
وَإِذَا كَانَ الصَّيْدُ يَتَحَامَلُ وَيَطِيرُ مَعَ مَا أَصَابَهُ مِنْ رَمْيَةِ الْأَوَّلِ فَرَمَاهُ الْآخِرُ فَقَتَلَهُ فَهُوَ لِلثَّانِي حَلَالٌ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ صَيْدًا بِفِعْلِهِ، وَالْأَوَّلُ كَالْمُقِرِّ لَهُ، وَالثَّانِي كَالْآخِذِ وَالصَّيْدُ لِمَنْ أَخَذَ لَا لِمَنْ أَثَارَ (وَإِنْ رَمَيَاهُ جَمِيعًا مَعًا أَوْ أَحَدُهُمَا بَعْدَ صَاحِبِهِ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهُ السَّهْمُ الْأَوَّلُ فَقَتَلَاهُ فَهُوَ لَهُمَا جَمِيعًا حَلَالٌ)؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَمَى إلَى صَيْدٍ مُبَاحٍ وَأَصَابَهُ الرَّمْيَتَانِ جَمِيعًا مَعًا، فَقَدْ اسْتَوَيَا فِي سَبَبِ الْمِلْكِ، وَذَلِكَ مُوجِبُ الْمُسَاوَاةِ فِي الْمِلْكِ، وَفِعْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُذَكٍّ لِلصَّيْدِ فَيَحِلُّ تَنَاوُلُهُ لَهُمَا، وَإِنْ رَمَيَاهُ مَعًا فَأَصَابَهُ سَهْمُ أَحَدِهِمَا فَأَثْخَنَهُ ثُمَّ أَصَابَ السَّهْمُ الْآخَرُ فَهُوَ لِلْأَوَّلِ، وَيَحِلُّ تَنَاوُلُهُ عِنْدَنَا، وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا يَحِلُّ؛ لِأَنَّ الرَّمْيَةَ مِنْ الثَّانِي أَصَابَتْهُ وَلَيْسَ بِصَيْدٍ، وَالْمُعْتَبَرُ وَقْتُ الْإِصَابَةِ لَا وَقْتُ الرَّمْيِ؛ فَلِهَذَا لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: فِعْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُوجِبٌ لِلْحِلِّ؛ لِأَنَّهُ رَمَى إلَى صَيْدٍ، وَفِي الْحِلِّ الْمُعْتَبَرُ وَقْتُ الرَّمْيِ؛ لِأَنَّ الْحِلَّ بِالذَّكَاةِ، وَهُوَ فِعْلُ الْمُذَكِّي، وَفِعْلُهُ الرَّمْيُ، فَأَمَّا فِي الْمِلْكِ فَلَا خَيْرَ فِي أَكْلِهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ لِمَوْتِهَا سَبَبٌ، وَإِذَا مَاتَ السَّمَكُ بِالشَّبَكَةِ وَهِيَ لَا تَقْدِرُ عَلَى التَّخَلُّصِ مِنْهَا، أَوْ أَكَلَ مِنْهَا شَيْئًا أَلْقَاهُ فِي الْمَاءِ لِيَأْكُلَهُ فَمَاتَ مِنْهُ وَذَلِكَ مَعْلُومٌ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ رَبَطَهَا فِي الْمَاءِ فَهَذَا كُلُّهُ سَبَبٌ لِمَوْتِهَا، وَالْمُعْتَبَرُ وَقْتُ الْإِصَابَةِ لَا وَقْتُ الرَّمْيِ؛ فَلِهَذَا لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: فِعْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُوجِبٌ لِلْحِلِّ؛ لِأَنَّهُ رَمْيٌ إلَى الصَّيْدِ، وَفِي الْحِلِّ الْمُعْتَبَرُ وَقْتُ الرَّمْيِ؛ لِأَنَّ الْحِلَّ بِالذَّكَاةِ وَهُوَ فِعْلُ الْمُذَكِّي، وَفِعْلُهُ الرَّمْيُ، فَأَمَّا فِي الْمِلْكِ الْمُعْتَبَرُ وَقْتُ الْإِصَابَةِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ يَثْبُتُ بِالْإِحْرَازِ، وَإِحْرَازُ الصَّيْدِ بِالْإِصَابَةِ دُونَ الرَّمْيِ.
وَعَلَى هَذَا لَوْ رَمَى إلَى صَيْدٍ وَسَمَّى فَتَكَسَّرَ الصَّيْدُ ثُمَّ أَصَابَهُ السَّهْمُ حَلَّ عِنْدَنَا، وَلَمْ يَحِلَّ عِنْدَ زُفَرَ
وَمَنْ أَخَذَ صَيْدًا أَوْ فَرْخَ صَيْدٍ مِنْ دَارِ رَجُلٍ أَوْ أَرْضِهِ فَهُوَ لَهُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الصَّيْدُ لِمَنْ أَخَذَ» وَهَذَا لِأَنَّ صَاحِبَ الْمِلْكِ لَمْ يُثْبِتْ يَدَهُ عَلَى فَرْخِ الصَّيْدِ لِكَوْنِهِ فِي مِلْكِهِ؛ لِأَنَّهُ مَا أَفْرَخَ لِيَتْرُكَهُ بَلْ لِيُطَيِّرَهُ، بِخِلَافِ النَّحْلِ الْعَسَّالَةِ إذَا
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.