أَنْقَصُ مِمَّا الْتَزَمَهُ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا أَضَافَ النَّذْرَ إلَى وَقْتٍ فَاضِلٍ فَمَضَى ذَلِكَ الْوَقْتُ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ قَدْ تَحَقَّقَ الْعَجْزُ عَنْ الْأَدَاءِ بِالصِّفَةِ الَّتِي الْتَزَمَهُ، وَلِهَذَا لَمْ يُجَوِّزْ زُفَرُ التَّعْجِيلَ عَلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ الْعَجْزَ لَا يَتَحَقَّقُ قَبْلَ مَجِيءِ ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ أَنَّ صِحَّةَ النَّذْرِ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الْقُرْبَةِ، وَذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ لَا فِي الْمَكَانِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ تَعْظِيمٌ لِلَّهِ تَعَالَى بِجَمِيعِ الْبَدَنِ، وَفِي هَذَا الْمَعْنَى الْأَمْكِنَةُ كُلُّهَا سَوَاءٌ، وَإِنْ كَانَ الْأَدَاءُ فِي بَعْضِ الْأَمْكِنَةِ أَفْضَلَ فَذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ لَا يَتَأَدَّى بِدُونِ ذَلِكَ كَمَا فِي أَدَاءِ الْمَكْتُوبَاتِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ أَدَاءَ الصَّلَاةِ بِالْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ أَفْضَلُ وَقَدْ أُمِرَ شَرْعًا بِالْأَدَاءِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَمَعَ ذَلِكَ إذَا أَدَّاهَا فِي بَيْتِهِ وَحْدَهُ سَقَطَ عَنْهُ الْوَاجِبُ، وَلَمَّا بَيَّنَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَوَابَ الْمُتَطَوِّعِ بِالصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الْمَسَاجِدِ، قَالَ: وَأَفْضَلُ ذَلِكَ كُلِّهِ صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ الْآخِرِ ثُمَّ عِنْدَهُ لَوْ الْتَزَمَ صَلَاةً فِي بَعْضِ هَذِهِ الْبِقَاعِ فَصَلَّاهَا فِي بَيْتِهِ لَمْ يَجُزْ، وَلَمَّا «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَفْضَلِ صَلَاةِ الْمَرْأَةِ فَقَالَ: فِي أَشَدِّ مَكَان مِنْ بَيْتِهَا ظُلْمَةً» فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنَّهَا إذَا الْتَزَمَتْ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَصَلَّتْ فِي أَشَدِّ مَكَان مِنْ بَيْتِهَا ظُلْمَةً أَنْ تَخْرُجَ عَنْ مُوجِبِ نَذْرِهَا، وَعِنْدَ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا تَخْرُجُ وَاَلَّذِي يُوَضِّحُ مَا قُلْنَا أَنَّ النَّاذِرَ إنَّمَا يَلْتَزِمُ بِنَذْرِهِ مَا هُوَ مِنْ فِعْلِهِ لَا مَا لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ، وَالْمَكَانُ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ فَيَكُونُ هُوَ بِالنَّذْرِ مُلْتَزِمًا لِلصَّلَاةِ دُونَ الْمَكَانِ، وَفِي أَيْ مَوْضِعٍ صَلَّى فَقَدْ أَدَّى مَا الْتَزَمَهُ فَيَخْرُجُ عَنْ مُوجِبِ نَذْرِهِ، وَإِنْ كَانَ الْأَدَاءُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي عَيَّنَهُ أَفْضَلَ
(قَالَ): وَإِنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ شَهْرًا مُتَتَابِعًا فَأَفْطَرَ يَوْمًا فِي الشَّهْرِ اسْتَقْبَلَ الشَّهْرَ مِنْ أَوَّلِهِ؛ لِأَنَّ مَا يُوجِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ مُعْتَبَرٌ بِمَا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَمَا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ مِنْ الصَّوْمِ مُتَتَابِعًا إذَا أَفْطَرَ فِيهِ يَوْمًا لَزِمَهُ الِاسْتِقْبَالُ كَصَوْمِ الظِّهَارِ وَالْقَتْلِ فَكَذَلِكَ مَا يُوجِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا أَطْلَقَ النَّذْرَ بِالصَّوْمِ فَإِنَّ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ مِنْ الصَّوْمِ مُطْلَقًا، وَهُوَ قَضَاءُ رَمَضَانَ إذَا أَفْطَرَ فِيهِ يَوْمًا لَا يَلْزَمُهُ الِاسْتِقْبَالُ فَكَذَلِكَ مَا يُوجِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ.
(قَالَ): وَلَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ رَجَبَ مُتَتَابِعًا فَأَفْطَرَ فِيهِ يَوْمًا فَعَلَيْهِ قَضَاءُ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّ مَا يُوجِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الصَّوْمِ فِي وَقْتٍ بِعَيْنِهِ مُعْتَبَرٌ بِمَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ الصَّوْمِ فِي وَقْتٍ بِعَيْنِهِ وَهُوَ صَوْمُ رَمَضَانَ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ ذِكْرَ التَّتَابُعِ فِي شَهْرٍ بِعَيْنِهِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ؛ لِأَنَّ الْمُعَيَّنَ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِصِفَتِهِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الصِّفَةَ لِتَعْرِيفِ مَا لَيْسَ بِمُعَيَّنٍ فَيُعْتَبَرُ ذَلِكَ عِنْدَ إطْلَاقِ لَفْظِ الشَّهْرِ وَلَا يُعْتَبَرُ عِنْدَ التَّعْيِينِ؛ لِأَنَّ أَيَّامَ الشَّهْرِ الْمُعَيَّنِ تَكُونُ مُتَجَاوِرَةً لَا مُتَتَابِعَةً فَذِكْرُ التَّتَابُعِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.