مِنْ الْعُلَمَاءِ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - مَنْ يَقُولُ: لَا يَسْتَفِيدُ الْمُشْتَرِي الْبَرَاءَةَ بِقَبْضِ الْبَائِعِ إذَا لَمْ يَنْقُدْهُ الْمُشْتَرِي فَيَكْتُبُ هَذَا اللَّفْظَ لِلتَّحَرُّزِ عَنْ قَوْلِ ذَلِكَ الْقَائِلِ ثُمَّ قَالَ: فَمَا أَدْرَكَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ مِنْ دَرَكِ أَبِي فِي هَذِهِ الدَّارِ فَعَلَى فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ خَلَاصُهُ حَتَّى يُسَلِّمَهُ لَهُ، وَذَكَرَ أَبُو الْقَاسِمِ الصَّفَّارُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكْتُبَ الدَّرَكَ عَلَى وَجْهِ الشَّرْطِ فَيَقُولَ عَلَى أَنْ مَا أَدْرَكَ فُلَانٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَتَبَ: فَمَا أَدْرَكَ فُلَانٌ يَكُونُ ذَلِكَ ابْتِدَاءَ كَلَامٍ لَا عَلَى وَجْهِ الشَّرْطِ، فَيَذْكُرُ عَلَى وَجْهِ الشَّرْطِ وَلَكِنَّ الْأَوَّلَ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ بِالدَّرَكِ لَا يَكُونُ بِاعْتِبَارِ الشَّرْطِ، وَلَكِنَّهُ سَوَاءٌ شَرَطَ أَوْ لَمْ يَشْرُطْ فَحَقُّ الرُّجُوعِ بِالدَّرَكِ ثَابِتٌ، وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ فِيمَا يَرْجِعُ بِهِ عِنْدَ لُحُوقِ الدَّرَكِ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ فِي مَوْضِعِهِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْأَحْسَنَ أَنْ يَكْتُبَ فَمَا أَدْرَكَ مَنْ يَحِقَّ لَهُ الرُّجُوعُ مِنْ دَرَكٍ وَلَا يُسَمَّى الْمُشْتَرَى لِجَوَازِ أَنْ يَلْحَقَ الدَّرَكُ بَعْدَ مَوْتِهِ فَإِنَّمَا يَكُونُ الرُّجُوعُ لِوَارِثِهِ وَلَكِنَّا نَقُولُ: حَقُّ الرُّجُوعِ بِالدَّرَكِ يَثْبُتُ بِالْعَقْدِ فَإِنَّمَا يَثْبُتُ لِمَنْ بَاشَرَ الْعَقْدَ، وَالدَّرَكُ هُوَ الِاسْتِحْقَاقُ الَّذِي يَسْبِقُ الْعَقْدَ فَأَمَّا الِاسْتِحْقَاقُ بِسَبَبٍ يَعْتَرِضُ بَعْدَ الْعَقْدِ لَا يُسَمَّى دَرَكًا وَبِالسَّبَبِ الَّذِي يَسْبِقُ الْعَقْدَ فَإِنَّمَا يَلْحَقُ الدَّرَكُ الْمُشْتَرِيَ حَيًّا كَانَ أَوْ مَيِّتًا فَلِهَذَا كَتَبَ فَمَا أَدْرَكَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ مِنْ دَرَكٍ فِي هَذِهِ الدَّارِ، وَمِنْ أَهْلِ الشُّرُوطِ مَنْ يَزِيدُ مِنْ دِرْهَمٍ فَمَا فَوْقَهَا تَحَرُّزًا عَنْ قَوْلِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى - رَحِمَهُ اللَّهُ - إنَّ ضَمَانَ الدَّرَكِ لَا يَصِحُّ إلَّا بِتَسْمِيَةِ الْمِقْدَارِ فَلِلتَّحَرُّزِ عَنْ قَوْلِهِ: يَكْتُبُونَ هَذِهِ الزِّيَادَةَ، ثُمَّ قَالَ: فَعَلَى فُلَانِ ابْنِ فُلَانٍ خَلَاصُهُ حَتَّى يُسَلِّمَهُ لَهُ. مَعْنَاهُ يَرُدُّ عَلَيْهِ ثَمَنَ مَا لَحِقَ الدَّرَكُ فِيهِ فَهُوَ الْمُرَادُ بِالْخَلَاصِ عِنْدَنَا عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ.
ثُمَّ قَالَ: شَهِدَ أَيْ شَهِدَ عَلَيْهِ الشُّهُودُ الْمُسَمَّوْنَ، وَمِنْ أَهْلِ الشُّرُوطِ مَنْ يَكْتُبُ هَذَا اللَّفْظَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ فَيَقُولُ: هَذَا مَا شَهِدَ عَلَيْهِ الشُّهُودُ، وَالْأَحْسَنُ عِنْدَنَا: أَنْ يَذْكُرَهُ فِي الْكِتَابِ؛ لِأَنَّ الشُّهُودَ إنَّمَا تَكُونُ شَهَادَتُهُمْ فِي آخِرِ الْكِتَابِ فَالْأَحْسَنُ ذِكْرُ هَذَا اللَّفْظِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يُثْبِتُ الشُّهُودُ فِيهِ أَسَامِيَهُمْ فَإِنْ أَخَذَ مِنْهُ كَفِيلًا بِالدَّرَكِ كَتَبَ فَمَا أَدْرَكَ فُلَانٌ مِنْ دَرَكٍ فِي هَذِهِ الدَّارِ فَعَلَى فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ وَفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ خَلَاصُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا لَفْظَ الدَّرَكِ دُونَ لَفْظِ الْعَهْدِ كَمَا يَكْتُبُهُ بَعْضُ أَهْلِ الشُّرُوطِ فَمَا لَحِقَهُ فِي ذَلِكَ مِنْ عُهْدَةٍ؛ لِأَنَّ الْعُهْدَةَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ اسْمٌ لِلصَّكِّ، وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ اسْمٌ لِلْعَقْدِ الَّذِي جَرَى بَيْنَهُمَا فَاخْتَرْنَا لَفْظَ الدَّرَكِ لِهَذَا وَالْمُرَادُ بِالْخَلَاصِ الْمَذْكُورِ رَدُّ الثَّمَنِ عِنْدَ اسْتِحْقَاقِ الْمَبِيعِ عِنْدَنَا، وَهُوَ قَوْلُ شُرَيْحٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَنْ شَرَطَ الْخَلَاصَ فَهُوَ أَحْمَقُ سَلِّمْ مَا بِعْت أَوْ رُدَّ مَا قَبَضْت، وَلَا خَلَاصَ وَكَانَ سَوَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَاضِي - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُجَوِّزُ اشْتِرَاطَ الْخَلَاصِ وَيَقُولُ: إنْ عَجَزَ الْبَائِعُ عَنْ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ فَعَلَيْهِ تَسْلِيمُ مِثْلِهِ فِيمَا لَهُ مِثْلٌ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.