وقال أبو حنيفة: إن كان آدمياً كَالْبَالِغِ الْعَاقِلِ كَانَتْ نَفْسُهُ هَدَرًا، حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُكَلَّفٍ كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ أَوْ كَانَ بَهِيمَةً كَالْفَحْلِ الصَّائِلِ كَانَتْ نفسه مع إباحة قتله مضمونة بدية الأذى وَقِيمَةِ الْبَهِيمَةِ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبِ نفس منه) .
وهذا المال مستهلك على مالكه بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ مضموناً على مستهلكة قال: ولأنه استهلك ملك غَيْرِهِ لِإِحْيَاءِ نَفْسِهِ فَوَجَبَ إِذَا كَانَ بِغَيْرِ إِذْنِ مَالِكِهِ أَنْ يَكُونَ مُلْتَزِمًا لِضَمَانِهِ كَالْمُضْطَرِّ إِلَى طَعَامِ غَيْرِهِ، وَهَذَا أَوْلَى بِالضَّمَانِ؛ لِأَنَّهُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ إِحْيَاءِ نَفْسِهِ بِأَكْلِ الطَّعَامِ وَعَلَى غَيْرِ يَقِينٍ مِنْ إِحْيَاءِ نَفْسِهِ بِهَذَا الْقَتْلِ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَنْدَفِعَ عَنْهُ بِغَيْرِ قَتْلٍ، فَلَمَّا ضَمِنَ مَا يَتَيَقَّنُ بِهِ الْحَيَاةَ كَانَ أولى أن يضمن مالا يَتَيَقَّنُ بِهِ الْحَيَاةَ قَالَ: وَلِأَنَّ الْبَهِيمَةَ لَا قَصْدَ لَهَا؛ لِأَنَّهَا لَوْ أَتْلَفَتْ شَيْئًا وَلَيْسَ صاحبها معها كَانَ هَدَرًا لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " جَرْحُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ) فَإِذَا بَطَلَ قَصْدُهَا سَقَطَ حكم الصول فَصَارَ كَالْقَاتِلِ لَهَا بِغَيْرِ صَوْلٍ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ.
وَدَلِيلُنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التوبة: ٩١] وَهَذَا بِالدَّفْعِ عَنْ نَفْسِهِ مُحْسِنٌ فَوَجَبَ أَنْ لا يكون عليه سبيل في الغرم وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ} [الشورى: ٤١] .
فَإِنْ قِيلَ: لَا يُنْسَبُ إِلَى غَيْرِ الْمُكَلَّفِ ظُلْمٌ.
قِيلَ: الظُّلْمُ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ فَصَارَ الدَّافِعُ مَظْلُومًا وَإِنْ لَمْ يُنْسَبْ إِلَى الْمَدْفُوعِ يرفع الْقَلَمِ عَنْهُ ظُلِمَ وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه قال: " لا يحل ما امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ) فَاقْتَضَى ظَاهِرُهُ أَنْ لَا يُؤْخَذَ مِنْهُ غُرْمٌ مَا لَمْ تَطِبْ نَفْسُهُ بِهِ.
وَمِنَ الِاعْتِبَارِ: أَنَّهُ إِتْلَافٌ بِدَفْعٍ مُبَاحٍ فَوَجَبَ أَنْ يَسْقُطَ فِيهِ الضَّمَانُ قِيَاسًا عَلَى قَتْلِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ الْمُكَلَّفِ.
فَإِنْ قِيلَ: الْمَعْنَى فِي الْمُكَلَّفِ أَنَّهُ قَدْ أَبَاحَ قَتْلَ نَفْسِهِ بِالطَّلَبِ وَلَا يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ إِبَاحَةُ نَفْسِهِ بِالطَّلَبِ؛ لِأَنَّهُ لَا حكم لقصده.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.