ولقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا فَإِنَهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا " وإن ابنا لعثمان توفي محرماً فلم يخمر رأسه ولم يقربه طيباً ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهُوَ كَمَا قَالَ:
الْإِحْرَامُ لَا يَنْقَطِعُ بِالْمَوْتِ، فَإِذَا مَاتَ الْمُحْرِمُ لَمْ يُغَطَّ رَأْسُهُ، وَلَمْ يُمَسَّ طِيبًا، وَلَمْ يُلْبَسْ مَخِيطًا، وَبِهِ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ: عُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.
وَمِنَ التَّابِعِينَ: عَطَاءٌ.
وَمِنَ الْفُقَهَاءِ: سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.
وَقَالَ أبو حنيفة، وَمَالِكٌ: قَدِ انْقَطَعَ عَنْهُ إِحْرَامُهُ بِالْمَوْتِ، وَجَازَ تَطْيِيبُهُ وَتَغْطِيَةُ رَأْسِهِ وَبِهِ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ ابْنُ عُمَرَ وَعَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا اسْتِدْلَالًا بِرِوَايَةِ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال: " خمروا مَوْتَاكُمْ وَلَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ " وَبِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ " إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صدقةٍ جاريةٍ، وعلمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، وولدٍ صالحٍ يَدْعُو لَهُ " فَدَلَّ عَلَى انْقِطَاعِ إِحْرَامِهِ.
قَالُوا وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ شَرْعِيَّةٌ فَوَجَبَ أَنْ يَسْقُطَ حُكْمُهَا بِالْمَوْتِ كَالصَّلَاةِ، قَالُوا وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ يَتَعَلَّقُ بِهَا تَحْرِيمُ الطِّيبِ فَوَجَبَ أَنْ يَنْقَطِعَ حُكْمُهَا بِالْمَوْتِ كَالْعِدَّةِ، قَالُوا وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حُكْمُ إِحْرَامِهِ بَاقِيًا بَعْدَ مَوْتِهِ لَوَجَبَتِ الْفِدْيَةُ فِي تَطْيِيبِهِ وَتَغْطِيَةِ رَأْسِهِ، كَمَنْ طَيَّبَ مَجْنُونًا مُحْرِمًا، فَلَمَّا لَمْ تَجِبِ الْفِدْيَةُ عَلَى مَنْ فَعَلَ بِهِ دَلَّ عَلَى انْقِطَاعِ إِحْرَامِهِ.
وَالدَّلَالَةُ عَلَى مَا قُلْنَا: رِوَايَةُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَخَرَّ رَجُلٌ عَنْ بَعِيرِهِ فَوُقِصَ فَمَاتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - اغْسِلُوهُ بماءٍ وسدرٍ وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ اللَّذَيْنِ مَاتَ فِيهِمَا، وَلَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا فَإِنَهُ يُبْعَثُ يوم القيامة ملبياً ".
فإن قيل: فقد عَلَّلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ذلك بأنه قَالَ: " يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا " وَعَلَّقَ الْحُكْمَ بِهِ، وَلَيْسَ يُعْلَمُ هَلْ يُبْعَثُ غَيْرُهُ مُلَبِّيًا أَمْ لَا؟ قُلْنَا: إِنَّمَا عَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - هذا الحكم بموته محرماً لا لِأَنَّهُ يُبْعَثُ مُلَبِّيًا، عَلَى أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ مَاتَ مُحْرِمًا يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا " وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه قال " حرمةُ المسلم بعد موته كحرمته قبل
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.