وإِنَّمَا تَشَعَّثَ النِّكَاحُ بِالطَّلْقَةِ، وانْعَقَدَ بها سَبَبُ زَوَالِه، فالرَّجْعَةُ تُزيلُ شَعَثَهُ، وَتَقْطَعُ مُضِيَّه، إلى البَيْنُوَنَةِ، فلم يَحْتَجْ لذلك (٤) إلى ما يَحْتَاجُ إليه ابْتِدَاءُ النِّكاحِ. فَأَمَّا الشَّهَادَةُ ففيها (٥) رِوَايَتَانِ؛ إحْداهما، تَجِبُ. وهذا أَحَدُ قَوْلَىِ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى قال: {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ}. وَظَاهِرُ الأَمْرِ الوُجُوبُ، ولأَنَّهُ اسْتِبَاحَةُ بُضْعٍ مَقْصُودٍ، فوَجَبَتِ الشَّهَادَةُ فيه، كالنِّكاحِ، وعَكْسُهُ البَيْعُ. والرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، لا تَجِبُ الشَّهَادَةُ. وهى اخْتَيِارُ أَبى بكرٍ، وقَوْلُ مَالِكٍ، وأبى حَنِيفَةَ؛ لأنَّهَا لَا تَفْتَقِرُ إلى قَبُولٍ، فلم تَفْتَقِرْ إِلَى شَهَادَةٍ، كسَائِرِ حُقُوقِ الزَوْجِ، ولأنَّ ما لا يُشْتَرَطُ فِيهِ الوَلِىُّ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الإِشْهَادُ، كالْبَيْعِ. وعِنْدَ ذلك يُحْمَلُ الأَمْرُ على الاسْتِحْبَابِ. ولا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ العِلْمِ، فى أَنَّ السُّنَّةَ الإِشْهَادُ. فَإِنْ قُلْنَا: هى شَرْطٌ. فإنَّهُ يُعْتَبَرُ وُجُودُها حالَ الرَّجْعَةِ، فَإِن ارْتَجَعَ بِغيرِ شَهادَةٍ، لَمْ يَصِحَّ؛ لأنَّ المُعُتَبَرَ وُجُودُها فى الرَّجْعَةِ، دُونَ الإِقْرَارِ بِها، إِلَّا أَنْ يُقْصَدَ بذلك الإِقْرَارِ الارْتِجَاعُ، فيَصِحَّ.
فصل: وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ، أَنَّ الرَّجْعَةَ لا تَحْصُلُ إلَّا بالقَوْلِ؛ لقولِه (٦): المُرَاجَعَةُ أَنْ يَقولَ. وهذا مَذْهَبُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّها اسْتِباحَةُ بُضْع مَقْصُودٍ، أُمِرَ بِالإِشْهادِ فِيهِ، فلم يَحْصُلْ مِن القادِرِ بِغيرِ قَوْلٍ، كالنِّكاحِ، ولأَنَّ غيرَ القَوْلِ فِعْلٌ مِنْ قادِرٍ على القَوْلِ، فلم تَحْصُلْ بِهِ الرَّجْعَةُ، كالإشارَةِ مِنَ النَّاطِقِ (٧)، وهذه إحْدَى الرِّوايَتَيْنِ عن أحمدَ. والرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، تَحْصُلُ الرجْعَةُ بِالوَطْءِ، سَواءٌ نَوَى به الرَّجْعَةَ، أو لم يَنْوِ. اخْتارَها ابنُ حامِدٍ، والقاضى. وهو قَوْلُ سعيد بنِ المُسَيَّبِ، والحسنِ، وابنِ سِيرِينَ، وعَطاءٍ، وطَاوُسٍ، والزُّهْرِىِّ، والثَّوْرِى، والأَوْزاعِىِّ، وابْنِ أَبِى لَيْلَى،
(٤) فى أ: "ذلك".(٥) سقط من: م.(٦) فى م: "بقوله".(٧) فى م: "المنافق".
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.