(فَإِذا جَرَى المِزَاجُ تَقَسَّمَتْ ... ذَهَباً ودُرَّاً تَوأماً وفَرِيدا)
(فَكأنَّهُنَّ لَبِسْنَ ذاكَ مَجَاسِداً ... وجَعَلْنَ ذَا لنحُورِهِنَّ عُقُودا)
فَهَذَا من أبْدَعِ مَا قِيلَ فِي هَذَا وأحْسَنِهِ:
ويَحتَاجُ من سَلكَ هَذِه السَّبيل إِلَى إلطَافِ الحِيلة، وتَدْقيق النَّظر فِي تنَاول المَعَاني واستعَارِتها وتَلْبيسِها حتَّى تَخْفَى على نُقَّادِهَا والبَصَراءِ بهَا، ويَنْفَرد بِشُهرَتِهَا كأنَّهُ غَيُرُ مَسْبُوقٍ إِلَيْهَا؛ فيَسْتْعْمِلُ المَعَاني المَأخُوذَةَ فِي غَيْر الجِنْسِ الَّذِي تَنَاولَهَا مِنهُ، فَإِذا وَجَدَ مَعْنىً لطيفاً فِي تَشْبيبٍ أَو غَزَلٍ استَعْمَلَهُ فِي المَديح، وإنْ وَجَدَهُ فِي المَدِيحِ اسْتَعْمَلَهُ فِي الهِجَاءِ، وإنْ وجَدَهُ فِي وَصْفِ ناقَةٍ أَو فَرَسٍ اسْتَعْمَلَهُ فِي وَصْفِ الإنْسَان، وإنْ وَجَدَهُ فِي وَصْفِ إنسانٍ اسْتَعْمَلَهُ فِي وَصْفِ بَهِيَمةٍ، فإنَّ عَكَس المَعَاني على اختلافِ وُجُوهِها غير مُتَعَذَّرٍ على مَنْ أحْسَنَ عَكْسَها واستِعمالها فِي الأبوابِ الَّتِي يُحتَاجُ إِلَيْهَا.
وَإِن وَجَد المَعْني اللَّطيفَ فِي المَنْثُورِ من الكَلَام، وَفِي الخُطَب والرَّسَائلِ والأمثال، فَتَناوَلَهُ وَجعله شِعْراً كانَ أَخْفَى وأحْسَنَ، ويَكُونُ ذَلِك كالصَّائغِ الَّذِي يُذيبُ الذَّهَبَ والفِضَّةِ المَصُوغَيْنِ فَيُعِدُ صِيَاغَتَهُمَا بأحْسَنَ مِمَّا كَاَنا عليهِ، وكالصَّباغِ الَّذِي يَصبَغُ الثَّوْبَ على مَا رَأى من الأصباغِ الحَسَنةِ؛ فَإِذا أبْرَزَ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.