للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ فِي أَمْرِ بَرِيرَةَ مَا رَوَى, ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "بَيْعُ الْأَمَةِ طَلَاقُهَا" فَيَنْبَغِي أَنْ يَقْضِيَ قَوْلُهُ هَذَا عَلَى مَا رَوَاهُ; لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُخَالِفَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ. قِيلَ لَهُ: قَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي السَّبَايَا وَأَنَّ بَيْعَ الْأَمَةِ لَا يُوقِعُ فُرْقَةً بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا, فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ الَّذِي ذَكَرْت عَنْهُ مِنْ أَنَّ بَيْعَ الْأَمَةِ طَلَاقُهَا كَانَ يَقُولُ قَبْلَ أَنْ تَثْبُتَ عِنْدَهُ قِصَّةُ بَرِيرَةَ وَتَخْيِيرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إيَّاهَا بَعْدَ الشِّرَى, فَلَمَّا سَمِعَ بِقِصَّةِ بَرِيرَةَ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ. وَأَيْضًا يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: "بَيْعُ الْأَمَةِ طَلَاقُهَا " إذَا اشْتَرَاهَا الزَّوْجُ وَلَا يَبْقَى النِّكَاحُ مَعَ الْمِلْكِ. وَالنَّظَرُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَيْعَ الْأَمَةِ لَيْسَ بِطَلَاقٍ وَلَا يُوجِبُ الْفُرْقَةَ; وَذَلِكَ; لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَمْلِكُهُ غَيْرُ الزَّوْجِ وَلَا يَصِحُّ إلَّا بِإِيقَاعِهِ أَوْ بِسَبَبٍ مِنْ قِبَلِهِ, فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ مِنْ الزَّوْجِ فِي ذَلِكَ سَبَبٌ وَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ طَلَاقًا. وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى ذَلِكَ أَنَّ مِلْكَ الْيَمِينِ لَا يُنَافِي النِّكَاحَ; لِأَنَّ الْمِلْكَ مَوْجُودٌ قَبْلَ الْبَيْعِ غَيْرُ نَافٍ لِلنِّكَاحِ, فَكَذَلِكَ مِلْكُ الْمُشْتَرِي لَا يُنَافِيهِ.

فَإِنْ قِيلَ: لَمَّا طَرَأَ مِلْكُ الْمُشْتَرِي وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُ رِضًا بِالنِّكَاحِ وَجَبَ أَنْ يَنْفَسِخَ. قِيلَ لَهُ: هَذَا غَلَطٌ; لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْمِلْكَ لَا يُنَافِي النِّكَاحَ, وَالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْت إنْ كَانَ مُعْتَبَرًا فَإِنَّمَا يُوجِبُ لِلْمُشْتَرِي خِيَارًا فِي فَسْخِ النِّكَاحِ, وَلَيْسَ هَذَا قَوْلَ أَحَدٍ; لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ وَمَنْ تَابَعَهُ يُوجِبُونَ فَسْخَ النكاح بحدوث الملك.

<<  <  ج: ص:  >  >>