للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بِتَعْجِيلِ شَيْءٍ لَهَا, وَعَلَى ذَلِكَ كَانَ مَخْرَجُ كَلَامِهِ; لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ مَا يَصِحُّ بِهِ الْعَقْدُ مِنْ التَّسْمِيَةِ لَاكْتَفَى بِإِثْبَاتِهِ فِي ذِمَّتِهِ مَا يَجُوزُ بِهِ الْعَقْدُ عَنْ السُّؤَالِ عَمَّا يُعَجَّلُ, فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ مَا يَصِحُّ مَهْرًا أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَجِدْ شَيْئًا قَالَ: "زَوَّجْتُكهَا بِمَا مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ" وَمَا مَعَهُ مِنْ الْقُرْآنِ لَا يَكُونُ مَهْرًا؟ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَكَرْنَا.

وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى خِدْمَتِهِ سَنَةً, فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ: "إذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى خِدْمَتِهِ سَنَةً فَإِنْ كَانَ حُرًّا فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا, وَإِنْ كَانَ عَبْدًا فَلَهَا خِدْمَتُهُ سَنَةً" وَقَالَ مُحَمَّدٌ: "لَهَا قِيمَةُ خِدْمَتِهِ إنْ كَانَ حُرًّا". وَقَالَ مَالِكٌ: "إذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ يُؤَاجِرَهَا نَفْسَهُ سَنَةً أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ وَيَكُونُ ذَلِكَ صَدَاقَهَا فَإِنَّهُ يَفْسَخُ النِّكَاحَ إنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا, وَإِنْ دَخَلَ بِهَا ثَبَتَ النِّكَاحُ". وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: "إذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ يُحِجَّهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا فَهُوَ ضَامِنٌ لِنِصْفِ حَجِّهَا مِنْ الْحِمْلَانِ وَالْكِسْوَةِ وَالنَّفَقَةِ". وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَالشَّافِعِيُّ: "النِّكَاحُ جَائِزٌ عَلَى خِدْمَتِهِ إذَا كَانَ وَقْتًا مَعْلُومًا". وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: "إذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى تَعْلِيمِ سُورَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَهْرًا وَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا" وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَاللَّيْثِ; وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: "يَكُونُ ذَلِكَ مَهْرًا لَهَا, فَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ رَجَعَ عَلَيْهَا بِنِصْفِ أُجْرَةِ التَّعْلِيمِ إنْ كَانَ قَدْ عَلَّمَهَا" وَهِيَ رِوَايَةُ الْمُزَنِيّ وَحَكَى الرَّبِيعُ عَنْهُ أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِ مَهْرِ مِثْلِهَا. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَوْله تَعَالَى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ} قَدْ اقْتَضَى أَنْ يَكُونَ بَدَلُ الْبُضْعِ مَا يَسْتَحِقُّ بِهِ تَسْلِيمُ مَالٍ; لِأَنَّ قَوْلَهُ: {أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ} يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: تَمْلِيكُ الْمَالِ بَدَلًا مِنْ الْبُضْعِ, وَالْآخَرُ: تَسْلِيمُهُ لِاسْتِيفَاءِ مَنَافِعِهِ, فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمَهْرَ الَّذِي يَمْلِكُ بِهِ الْبُضْعَ إمَّا أَنْ يَكُونَ مَالًا أَوْ مَنَافِعَ فِي مَالٍ يَسْتَحِقُّ بِهَا تَسْلِيمُهُ إلَيْهَا; إذْ كَانَ قوله: {أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ} يشتمل عليهما ويقتضيهما.

<<  <  ج: ص:  >  >>