الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ} [الجمعة:١٠] هَذَا إذَا أَرَادَ بِأَكْلِهِ التَّلَذُّذَ فَهُوَ إبَاحَةٌ وَيَحْتَمِلُ التَّرْغِيبَ فِي اعْتِقَادِ صِحَّةِ الْإِذْنِ فِي أَكْلِهِ لِلِاسْتِعَانَةِ بِهِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَيَكُونُ آكِلُهُ فِي هَذِهِ الْحَالِ مَأْجُورًا وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يقول: {إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ} يَدُلُّ عَلَى حَظْرِ أَكْلِ مَا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ لِاقْتِضَائِهِ مُخَالَفَةَ الْمُشْرِكِينَ فِي أَكْلِ مَا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وقوله {مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} عُمُومٌ فِي سَائِرِ الْأَذْكَارِ، وَيُحْتَجُّ بِهِ عَلَى جَوَازِ أَكْلِ ذَبْحِ الْغَاصِبِ لِلشَّاةِ الْمَغْصُوبَةِ وَفِي الذَّبْحِ بِسِكِّينٍ مَغْصُوبَةٍ أَنَّ الْمَالِكَ لِلشَّاةِ لَهُ أَكْلُهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} إذْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا قَدْ ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ.
قَوْله تَعَالَى: {وَذَرُوا ظَاهِرَ الْأِثْمِ وَبَاطِنَهُ} قَالَ الضَّحَّاكُ: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَرَوْنَ إعْلَانَ الزِّنَا إثْمًا وَالِاسْتِسْرَارُ بِهِ غَيْرُ إثْمٍ، فَقَالَ الله تعالى: {وَذَرُوا ظَاهِرَ الْأِثْمِ وَبَاطِنَهُ} وَهُوَ عُمُومٌ فِي سَائِرِ مَا يُسَمَّى بِهَذَا الِاسْمِ أَنَّ عَلَيْهِ تَرْكَهُ سِرًّا وَعَلَانِيَةً، فَهُوَ يُوجِبُ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ أَيْضًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ} [البقرة:٢١٩] وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَاهِرُ الْإِثْمِ مَا يَفْعَلُهُ بِالْجَوَارِحِ، وَبَاطِنُهُ مَا يَفْعَلُهُ بِقَلْبِهِ مِنْ الِاعْتِقَادَاتِ وَالْفُصُولِ وَنَحْوِهَا مِمَّا حُظِرَ عَلَيْهِ فِعْلُهُ منها.
مطلب: الأقوال في ترك التسمية على الذبيحة
قَوْله تَعَالَى: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} فِيهِ نَهْيٌ عَنْ أَكْلِ مَا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا وَمَالِكٌ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ: إنْ تَرَكَ الْمُسْلِمُ التَّسْمِيَةَ عَمْدًا لَمْ يُؤْكَلْ وَإِنْ تَرَكَهَا نَاسِيًا أُكِلَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: "يُؤْكَلُ فِي الْوَجْهَيْنِ"، وَذَكَرَ مِثْلَهُ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ وَقَدْ اُخْتُلِفَ أَيْضًا فِي تَارِكِ التَّسْمِيَةِ نَاسِيًا، فَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَابْنِ شِهَابٍ وَطَاوُسٍ قَالُوا: لَا بَأْسَ بِأَكْلِ مَا ذَبَحَ وَنَسِيَ التَّسْمِيَةَ عَلَيْهِ. وَقَالَ عَلِيٌّ: "إنَّمَا هِيَ عَلَى الْمِلَّةِ". وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْمُسْلِمُ ذِكْرُ اللَّهَ فِي قَلْبِهِ وَقَالَ: كَمَا لَا يَنْفَعُ الِاسْمُ فِي الشِّرْكِ لَا يَضُرُّ النِّسْيَانُ فِي الْمِلَّةِ. وَقَالَ عَطَاءٌ: الْمُسْلِمُ تَسْمِيَةُ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى; الْمُسْلِمُ هُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْمُؤْمِنُ هُوَ اسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ، وَالْمُؤْمِنُ تَسْمِيَةٌ لَلذَّابِحِ. وَرَوَى أَبُو خَالِدٍ الْأَصَمُّ عَنْ ابْنِ عَجْلَانَ عَنْ نَافِعٍ: "أَنَّ غُلَامَا لِابْنِ عُمَر قَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ قُلْ بِسْمِ اللَّهِ قَالَ: قَدْ قُلْت، قَالَ: قُلْ بِسْمِ اللَّهِ قَالَ: قَدْ قُلْت، قَالَ: قُلْ بِسْمِ اللَّهِ قَالَ: قَدْ قُلْت، قَالَ: فَذَبَحَ فَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ" وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: إذَا تَرَكَ التَّسْمِيَةَ نَاسِيًا لَمْ يُؤْكَلْ. وَرَوَى يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ مَوْلًى لِقُرَيْشٍ عَنْ أَبِيهِ: "أَنَّهُ أَتَى عَلَى غُلَامٍ لِابْنِ عُمَرَ قَائِمًا عِنْدَ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.