قَوْلُهُ -رحمه الله-: (وَتَرْكُ الشَّيْءِ إِلَى خَلْفٍ لَا يَكُونُ تَرْكاً) هَذَا جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ: (وَفِي الصَّلَاةِ عُرْيَاناً تَرْكَ الْفُرُوضِ) (١)
قُلْتُ: هَذَا الْجَوَابُ، الَّذِي قَالَا لَهُ، وَقَوْلُهُ أَيْضًا: (بِتَرْكِ الْفُرُوضِ)، إِنَّمَا يَسْتَقِيمَانِ عَلَى تَقْدِيرِ، أَنْ يُصَلِّيَ الْعَارِيَ، قَاعِداً، وامَّا لَوْ صَلَّى قَائِماً؛ حَيْثُ يَجُوزُ لَهُ الصَّلَاةُ قَائِماً، فَلَا يَسْتَقِيمَانِ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ -رحمه الله- فِي " الْمَبْسُوطِ ".
فَقَالَ: إِذَا صَلَّى قَائِماً بِالرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ، عِنْدَنَا يَجُوزُ، فَلَا يَصِيرُ تَارِكاً، لِلْفَرَائِضِ الثَّلَاثِ، وَإِنَّمَا يَصِيرُ تَارِكاً (٢) لِفَرْضٍ وَاحِدٍ؛ وَهُوَ السَّتْرِ، وَإِذَا تَرَكَ فَرْضاً وَاحِداً، فَقَدْ أَقَامَ (٣) فَرْضاً بِإِزَائِهِ؛ وَهُوَ تَرْكُ اسْتِعْمَالِ النَّجَاسَةِ، فَكَانَ هَذَا تَرْكُ فَرْضٍ، بِإِزَاءِ إِتْيَانٍ (٤) بِفَرْضٍ آخَرَ فَيَتَخَيَّرُ.
فَإِنْ قُلْتَ: لَا مُسَاوَاةَ بَيْنَ الْفَرْضَيْنِ، فَلَا يَتَخَيَّرُ، فَإِنَّ فَرْضِيَّةَ سَتْرِ الْعَوْرَةِ، أَقْوَى مِنْ فَرْضِيَّةِ (٥) تَرْكِ [اسْتِعْمَالِ] (٦) النَّجَاسَةِ.
ظَهَرَ ذَلِكَ بِمَسْأَلَتَيْنِ؛ اِحْدَيْهِمَا مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ التُّمُرْتَاشِيُّ -رحمه الله- فِي بَابِ الْمَرِيضِ مِنَ … "الْجَامِعِ الصَّغِيرِ" قَالَ الْإِمَامُ الْبَقَّالِيُّ: فَإِنْ كَانَ عَلَى بَدَنِ الْمُصَلِّي نَجَاسَةٌ، لَا يُمْكِنُهُ غَسْلَهَا، إِلَّا بِإِظْهَارِ عَوْرَتِهِ، يُصَلِّي مَعَ النَّجَاسَةِ/ لِأَنَّ إِظْهَارَ الْعَوْرَةِ؛ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَالْغَسْلَ، مَأْمُورٌ بِهِ، وَالْأَمْرُ، وَالنَّهْيُ إِذَا (٧) اجْتَمَعَا؛ كَانَ النَّهْيُ أَوْلَى.
(١) قال السرخسي في "المبسوط" (١/ ١٨٦): (وَقَالَ بِشْرٌ الْمَرِيسِيُّ -رحمه الله-: يُصَلُّونَ قِيَامًا بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ -رحمه الله-؛ لِأَنَّهُمْ عَجَزُوا عَنْ شَرْطِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ سَتْرُ الْعَوْرَةِ، فَهُمْ قَادِرُونَ عَلَى أَرْكَانِهَا، فَعَلَيْهِمْ الْإِتْيَانُ بِمَا قَدَرُوا عَلَيْهِ، وَسَقَطَ عَنْهُمْ مَا عَجَزُوا عَنْهُ).(٢) (للفرائض الثلاث، وإنما يصير تاركًا): ساقطة من (ب).(٣) في (ب): (قام).(٤) في (ب): (إثبات).(٥) (فرضية): ساقطة من (ب).(٦) في المخطوط (أ): استعجال، والمثبت من (ب).(٧) في (ب): (ينفي).
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.