دار الإسلام ودار الحرب:
الدنيا كلها ـ كما يذكر الإمام الشافعي رحمه الله ـ بحسب الأصل دار واحدة (١) . وأرض الله الواسعة لخلق الله جميعًا واحدة، لا يحظر على أحد مكان منها إلا بسبب يوجب ذلك ـ على ما فصل في أبواب الفقه.
فالكفر من الأسباب التي تجعل من بلاد الإسلام تجاه الكفار ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الحرم فلا يدخله الكافر ذميًّا كان أو مستأمنًا ودليل ذلك قوله: {يا أيها الذين آمنواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} (٢)
وبه قال الشافعي، وأحمد، ومالك. وجوز أبو حنيفة وأهل الكوفة للمعاهد دخول الحرم بإذن الإمام أو الخليفة أو نائبه في الحكم، ويقيم فيه مقام المسافر ولا يستوطنه.
ويجوز عند أبي حنيفة دخول الواحد منهم الكعبة (٣)
القسم الثاني: الحجاز: ولا يجوز لأحد منهم سكن الحجاز , وبهذا قال مالك والشافعي , إلا أن مالكًا قال: أرى أن يجلوا من أرض العرب كلها؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يجتمع دينان في جزيرة العرب)) .
وروى أبو داود بإسناده عن عمر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب , فلا أترك فيها إلا مسلمًا)) قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح.
وعن ابن عباس قال: أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاثة أشياء؛ قال: ((أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم. وسكت عن الثالث)) [رواه أبو داود] .
وجزيرة العرب ما بين الوادي إلى أقصى اليمن قاله سعيد بن عبد العزيز , وقال الأصمعي وأبو عبيد: هي من ريف العراق إلى عدن طولًا، ومن تهامة وما وراءها إلى أطراف الشام عرضًا، وقال أبو عبيدة: هي من حفر أبي موسى إلى اليمن طولًا ومن رمل برين إلى منقطع السماوة عرضًا.
قال الخليل: إنما قيل لها جزيرة: لأن بحر الجيش وبحر فارس والفرات قد أحاطت بها ونسبت إلى العرب؛ لأنها أرضها ومسكنها ومعدنها.
وقال أحمد: جزيرة العرب المدينة وما والاها. يعني أن الممنوع من سكنى الكفار المدينة وما والاها. وهو مكة واليمامة وخيبر والينبع وفدك ومخاليفها.
وما والاها، وهذا قول الشافعي لأنهم لم يجلو من تيماء ولا من اليمن، وقد روي عن أبي عبيدة بن الجراح أنه قال: إن آخر ما تكلم به النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((أخرجوا اليهود من الحجاز)) فأما إخراج أهل نجران منه فلأن النبي صلى الله عليه وسلم صالحهم على ترك الربا فنقضوا عهده، فكأن جزيرة العرب في تلك الأحاديث أريد بها الحجاز، وإنما سمي حجازًا لأنه حجز بين تهامة ونجد , ولا يمنعون ـ أيضًا ـ من أطراف الحجاز كتيماء وفيد ونحوهما؛ لأن عمر لم يمنعهم من ذلك.
(١) انظر تأسيس النظر، للدبوسي: ص ٥٨، وانظر العلاقات الدولية في الإسلام، د. وهبة الزحيلي: ص ١٠٤
(٢) سورة التوبة: الآية ٢٨
(٣) ـ أيضًا ـ[فقه السنة ٢/ ٦٧٠ و ٦٧١ وانظر المغني لابن قدامة ٨/ ٥٣١] .