ويجوز لهم دخول الحجاز للتجارة؛ لأن النصارى كانوا يتجرون إلى المدينة في زمن عمر رضي الله عنه وأتاه شيخ بالمدينة فقال: أنا الشيخ النصراني، وإن عاملك عشرني مرتين. فقال عمر: وأنا الشيخ الحنيف. وكتب له عمر أن لا يعشروا في السنة إلا مرة. ولا يأذن لهم في الإقامة أكثر من ثلاثة أيام على ما روي عن عمر رضي الله عنه، ثم ينتقل عنه. وقال القاضي: يقيم أربعة أيام حد ما يتم المسافر الصلاة والحكم في دخولهم إلى الحجاز في اعتبار الإذن كالحكم في دخول أهل الحرب دار الإسلام، وإذا مرض بالحجاز جازت له الإقامة؛ لأنه يشق الانتقال على المريض وتجوز الإقامة لمن يمرضه؛ لأنه لا يستغني عنه، وإن كان له دين على أحد وكان حالًا أجبر غريمه على وفائه , فإن تعذر وفاؤه لمطل أو تغيب عنه فينبغي أن يمكن من الإقامة ليستوفي دينه؛ لأن التعدي من غيره، وفي إخراجه ذهاب ماله، وإن كان الدين لم يكن من الإقامة، ويوكل من يستوفيه له؛ لأن التفريط منه، وإن دعت الحاجة إلى الإقامة ليبيع بضاعته، احتمل أن يجوز؛ لأن في تكليفه تركها أو حملها معه ضياع ماله، وذلك مما يمنع من الدخول بالبضائع إلى الحجاز فتفوت مصلحتهم وتلحقهم المضرة بانقطاع الجلب عنهم، ويحتمل أن يمنع من الإقامة؛ لأن له من الإقامة بدًّا، فإن أراد الانتقال إلى مكان آخر من الحجاز جاز، ويقيم فيه أيضًا ثلاثة أيام أو أربعة الخلاف فيه، وكذلك إذا انتقل فيه إلى مكان آخر جاز ولو حصلت الإقامة في الجميع شهرًا , وإذا مات بالحجاز دفن به؛ لأنه يشق نقله، وإذا جازت الإقامة للمريض فدفن الميت أولى. بالمغني لابن قدامة: ٨/ ٥٢٩ و ٥٣١] .
ولا يخفى ما في هذه الأحكام من سماحة وحرص على تحقيق المصالح، وتأكيد لإقرار الإسلام لمبادئ الحق في العلاقات بين الناس.
القسم الثالث: سائر بلاد الإسلام، ويجوز للكافر أن يقيم فيها بعهد وأمان وذمة، ولكن لا يدخلون المساجد إلا بإذن مسلم عند الشافعي، وقال أبو حنيفة: يجوز دخولها لهم من غير إذن. وقال مالك وأحمد: لا يجوز لهم الدخول بحال (١) .
ومن هذه الأسباب قيام الحرب، وما يتبعها من آثار فيحظر على المسلم أن يقيم في دار فيها القتال بينهم وبين المسلمين لما يترتب على ذلك من تعريضهم للمخاطر والقتل، فعن جرير بن عبد الله ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية إلى خثعم العقل، وقال: أنا برئ من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين. قالوا يا رسول الله: ولم؟ قال:"لا تتراءى ناراهما")) [رواه أبو داود والترمذي وأخرجه أيضًا ابن ماجه ورجال إسناده ثقات ولكن صحح البخاري وأبو حاتم وأبو داود والترمذي والدارقطني إرساله إلى قيس بن أبي حازم ورواه الطبراني موصولًا] .
ومعنى "لا تتراءى نارهما" يعني لا ينبغي أن يكونا بموضع بحيث تكون نار كل واحد منهما في مقابلة الأخرى على وجه لو كانت متمكنة من الأبصار لأبصرت الأخرى (٢) .
(١) انظر فقه السنة: ٢/ ٦٧٢ (٢) نيل الأوطار: ٨/ ١٧٦، و ١٧٧٢