للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

لقد بينت الصحيفة ـ باعتبارها أول وثيقة لتحديد صورة العلاقات بين عناصر الدولة المسلمة في داخلها وعلاقتها بالدول الأخرى ـ المكانة التي يتمتع بها المخالفون في الدين داخل الدولة المسلمة، وبعبارة أخرى مكانة الأقليات داخل المجتمعات المسلمة، فإن نصوص الصحيفة تذكر المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب وتذكر معهم من تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم , وأنهم أمة واحدة من دون الناس. ويفهم من هذا النص أن اللحاق والتبعية تفي الدخول في الإسلام، وتتسع كذلك لتشمل من يلحق بهم ويتبعهم وإن لم يسلم، والدليل على ذلك ما جاء في الصحيفة ـ أيضا ـ من أن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته.

وفصلت النصوص التالية لهذا التقرير المساواة بين فرق اليهود المذكورة ويهود بني عوف في كافة الحقوق.

فالطوائف التي تعيش بالمدينة تلحق بالأمة المسلمة ولها حقوقها وعليها واجباتها فما ذكر في الصحيفة:

ـ من تبعنا من يهود فإن له النصرة والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم.

ـ لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم، وأنه من خرج من المدينة آمن، ومن قعد آمن، إلا من ظلم وأثم.

ـ أن بينهم النصر على من دهم يثرب، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين.

فهذه النصوص تدل بصراحة على اتساع الدولة المسلمة للمخالفين لها بهذا البيان ما داموا مسالمين وليسوا ناقضين لما يتفق عليه مما لهم ومما عليهم.

ويبقى هذا الكلام مع ديار الإسلام جميعًا مع مراعاة التفصيل الذي ذكرناه في حكم مكة والمدينة (١) .

وإلى هذه النتيجة التي نقررها يصل الأستاذ عبد المجيد محمود في محاضرة قيمة ألقاها بقسم الثقافة الإسلامية تحت عنوان: تعامل المسلمين مع مخالفيهم في الدين فيقول: " ومن هذا نرى أن الطوائف غير المسلمة تتمتع في الدولة الإسلامية، بما يتمتع المسلمون فيها من الحقوق المدنية، والدينية، يساسون بالعدل والرحمة ما وفوا بعهودهم، ولا تحول مخالفتهم في الدين دون العدل معهم والرحمة بهم، ومنحهم حريتهم الدينية والشخصية.


(١) وانظر ما ذكره أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الأموال: ص ٢٣٧

<<  <  ج: ص:  >  >>