للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

وقد روى البخاري ((أن النبي صلى الله عليه وسلم عامل يهود خيبر على أن يزرعوها ولهم شطر ما يخرج منها، فأرسل إليهم عبد الله بن رواحة ليخرص النخل، ويقدر الأوساق الواجبة عليهم، فأراد اليهود أن يعطوا عبد الله بن رواحة هدية أو رشوة ليخفف عنهم، ويقلل ما يأخذه من خراج أرضهم فقال عبد الله مستنكرا صنيعهم: تطعمونني السحت؟ والله لقد جئتكم من عند أحب الناس إلي ـ يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ ولا أنتم أبغض إلي من القردة والخنازير، ولا يحملني بغضي إياكم على ألا أن أعدل فيكم. فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض)) (١) .

ويقول: "ومن هذا يتبين أن الذمي مواطن في الدولة الإسلامية تكفل له الدولة حفظ ماله ونفسه، وتضمن له حريته الدينية والشخصية، وسلامة أماكن العبادة التي يتعبد فيها".

وبلغ من الاهتمام بالمحافظة على حريته الدينية والشخصية أن تقررت بين الفقهاء قاعدة تقول: " أمرنا أن نتركهم وما يدينون ".

كما بلغ من عناية الإسلام بحريتهم الدينية أن ترك لهم نظام الأسرة من زواج وطلاق وميراث يتبعون فيه ما يعتقدونه دينًا لهم، ولو كان مخالفًا لأحكام الإسلام في نظام الأسرة.

لقد كتب الخليفة عمر بن عبد العزيز إلى الحسن البصري مستفتيًا: "ما بال الخلفاء الراشدين تركوا أهل الذمة وما هم عليه من نكاح المحارم واقتناء الخمور والخنازير؟ " فأجابه الحسن البصري: "إنما بذلوا الجزية ليتركوا وما يعتقدونه، وإنما أنت متبع لا مبتدع".

وهذه الميزات التي يتمتع بها الذمي في دولة الإسلام لا يوجد لها نظير في قوانين العالم الحديث فضلًا عن القديم، فالمسلم المقيم في فرنسا أو إنجلترا أو روسيا أو غيرها ويتجنس بجنسيتها، يخضع في الأحوال الشخصية للقانون المحلي ـ هناك ـ فإن تزوج مسلم أكثر من واحدة فزواجه باطل، وقديحاكم على ذلك كمجرم.

والدول المعاصرة جميعًا لا تجعل لأي طائفة من طوائفها ميزة خاصة في تعاملها، وخصوصًا في نظام الأسرة؛ لأن نظم الأسرة فيها تتعلق بالنظام العام، لا يجوز الاتفاق على ما يخالفها، ولكن الدول الإسلامية لا تزال تعطي رعاياها حق التقاضي على مقتضى دينهم بالنسبة للأسرة، وهذه الميزة لا توجد إلا في البلاد الإسلامية والقوانين الإسلامية، ولا تعامل الدولة الإسلامية غيرها بالمثل في هذا الشأن؛ لأن نظامها ينبع من تعاليم الدين وسماحته لا من نزوات النفوس وحماقة العصبية (٢) .


(١) المحاضرة رقم ١٢، للأستاذ الدكتور عبد المجيد محمود
(٢) المحاضرة السابقة: ص ١١١

<<  <  ج: ص:  >  >>