لقد تناولنا في الفصول السابقة ما يبين حقيقة الإسلام في السلام , وكيف يجعله أصلًا في حياة الناس، وكيف يقاوم من أراد تعكير صفو الناس مع سلمهم وأمنهم، ولو كان ببذل النفس والمال جهادًا في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا، فإذا ما اضطر أبناء الإسلام إلى القتال لتحقيق هذه الغاية فإنهم يحرصون على أداء هذا الواجب بقدره وحجمه فإذا عاد المحاربون إلى الصواب أسرع المجاهد إلى قاعدة السلام وتوكل على الله. والمجاهد يحرص أثناء القتال على الالتزام بما ألزمه الإسلام من عدم قتل النساء والأطفال والشيوخ، والحرص على العمران والأشجار، فإذا ما انتصر كان لله شاكرًا وللعدل محققًا، وعاش الناس في ظل سيادة الإسلام آمنين, من دخل في الإسلام، ومن بقي على ما كان عليه ليفكر في هدوء ويصل إلى القناعة الكاملة في أن الإسلام هو الحق الذي يتبع.
وهذا المسلك في دعوة الناس إلى الإسلام أثار في نفوس الحاقدين ضغنهم على الإسلام والمسلمين، وعدُّوا هذا المسلك نوعًا من المكر والدهاء يقول الدكتور حسين مؤنس في وصف هذه الحالة:"لقد كان العرب (١) يفتحون البلد من البلاد ويعرضون الإسلام على أهله ثم يدعونهم وشأنهم حتى يقتنعوا بفضائله الإنسانية على هينة، حتى لقد ذهب بعض الشانئين للعرب إلى أنهم لم يكونوا يهتمون بنشر دينهم، وأن الجزية كانت أحب إليهم من الإسلام وما إلى ذلك مما نجده مسطورًا في كتب أعاء الملة. وما كان ذلك من عدم حرص من العرب على نشر الإسلام، وإنما كان سيرًا على أسلوب الدعوة في عهدها الأول: أسلوب عرض الدين على الناس وتركهم بعد ذلك أحرارا إلى أن يهدي الله منهم من يشاء.
ومن غريب ما حدث في بلاد مثل مصر والأندلس أن كان مسلك العرب هذا أدعى إلى دخول الناس في الإسلام؛ لأنهم تعودوا ممن يتغلب على بلادهم أن يكون شديد الحرص على إدخالهم في دينه، فما بال أولئك العرب لا يلحون على الناس في الدخول في الإسلام، ولا يستخدمون القوة في ذلك كما كان رجال دولتي الرومان والروم يفعلون؟ قال "يولوج" الراهب القرطبي المبغض للإسلام: "فكان من مكر العرب أن تظاهروا بأنهم لا يهتمون بدخول الناس في الإسلام، فتطلعت نفوس الناس إلى ذلك الإسلام وودوا لو يتعرفون عليه لعلهم يعرفون السبب في اختصاص العرب أنفسهم به وضنهم به على غيرهم، فما زالوا يفعلون ذلك ويسألون عن الإسلام ويستفسرون حتى وجدوا أنفسهم مسلمين دون أن يدروا".
(١) الأولى استعمال "المسلمون" بل هو في الواقع الصواب