ولقد قال الراهب القبطي "يوحنا النقبوس" شيئا من ذلك، وكان متأسفًا؛ لأن العرب لم يلجأوا إلى القوة في فرض الإسلام، إذ لو أنهم فعلوا ذلك لزاد تمسك الأقباط بعقيدتهم ـ على مذهب العقائد ـ وإباء كل ما يفرضه بالقوة، ولما وجد الإسلام هذا الطريق السهل الميسر إلى القلوب في مصر والأندلس وإنك لتحاول أن تدرس كيف أسلم أقباط مصر، وكانوا من أشد الناس استمساكًا بعقيدتهم , لقد استشهدت في سبيلها منهم جماعات بعد جماعات على أيدي عتاة الرومان من أمثال "دقلديانوس" وطغاة الروم من أمثال "قرس"، فلا تجد على تساؤلك جوابًا، لأن التحول إلى الإسلام في هذين البلدين ـ مصر والأندلس - تم في هدوء وسكون: انسابت العقيدة في قلوب الناس كما ينساب الماء في أرض الزرع فتخضر وتزهر وتثمر بإذن ربها.
وفي بلاد المغرب أسلمت قبائل البربر مبهورة بما رأت من روعة إيمان عقبة بن نافع وأصحابه، فهذا الرجل الفريد في بابه، الذي وهب نفسه للإسلام كان يلقى رئيس القبيلة ويحدثه ثم يدعو إلى الإسلام فيسارع إلى الإيمان ليكون من قوم عقبة، ثم يتبعه بعد ذلك قومه.
إن مداخل الإسلام إلى القلوب هي سماحته ويسره وإنسانيته، أنه يقدم للمؤمن به الاطمئنان وهدوء البال، ويفتح له إلى الله سبحانه بابًا واسعًا للمغفرة والأمل وثواب الآخرة، وكل ذلك دون مقابل. وفي أديان أخرى تعرض عليه أموال وهدايا وقرابين، ويلزم بطاعة رهبان وقساوسة، ويراقب ويعاقب ويحرم من نعمة الله بقرار من رئيس الكنيسة , لا شيء من هذا في الإسلام , من هنا كان مدخله إلى النفوس سهلًا ذلولًا (١) .