كما أن ما يدفعه الواحد منهم من الجزية يعود عليه عند حاجته , فقد جاء في عهد خالد بن الوليد لأهل الحيرة: "أيما شيخ ضعف عن العمل أو أصابته آفة من الآفات، أو كان غنيًّا فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه طرحت جزيته وأعيل من بيت مال المسلمين وعياله (١) .
مر عمر بباب قوم وعليه سائل، شيخ كبير ضرير البصر، يسأل فضرب عضده من خلفه , وقال: من أي أهل الكتاب أنت؟ فقال: يهودي، قال: فما ألجأك إلى ما أرى؟ قال: الجزية والحاجة والسن. قال: فأخذ عمر بيده، وذهب به إلى منزله، فرضخ له بشيء من المنزل، ثم أرسل إلى خازن بيت المال فقال: انظر هذا وضرباءه فوالله ما أنصفناه إن أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم". (٢)
كما يجوز للإمام أن يعفى عن الجزية جميعًا، كما فعل أبو عبيدة رضي الله عنه حين أسقط الجزية عن أهل السامرة بالأردن وفلسطين (٣) . وكما أسقط عمر رضي الله عنه الجزية على ملك شهربراز وجماعته لقاء اتفاقه معهم على قتال العدو، وكما أسقط معاوية رضي الله عنه الجزية عن سكان أرمينية ثلاث سنوات.
ويحسن أن ذكر في هذه النقاط المتعلقة بأمر الجزية الفهم الذي يناسب التطبيق العملي الذي تم في أخذ الجزية، فقد فهم أن الجزية تحمل معنى الإذلال في قوله تعالى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} .
ولكن الفهم الذي ينسجم مع ما ذكر من حقيقة التطبيق الصحيح لأخذ الجزية هو أن تفسير "يد" في الآية الكريمة يعني ما جاء في عهد خالد رضي الله عنه لصاحب قس الناطف والذي ذكر منذ قليل: "إني عاهدتكم على الجزية والمنعة على كل ذي يد، القوي على قدر قوته والمقل على قدر إقلاله" فاليد ـ هنا ـ تعني القدرة.
وأن تفسير قوله تعالى: {وَهُمْ صَاغِرُونَ} .
فإن الصغار ـ هنا ـ بمعنى الخضوع وليس الذلة والمهانة وقد ذكر الشافعي ـ رحمه الله ـ في قوله عز وجل: {عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} : أي يجري عليهم حكم المسلمين" (٤) . فهو يفسرها ـ إذن ـ بمعنى الخضوع لحكم المسلمين. ويذهب إلى هذا الدكتور مصطفى السباعي ـ رحمه الله ـ فيقول: "يتحتم تفسير الصغار هنا بالخضوع لا بالذلة والمهانة، ومن معاني الصغار في اللغة الخضوع، ومنه أطلق "الصغير" على الطفل لأنه يخضع لأبويه ولمن هو أكبر منه، والمراد بالخضوع حينئذ الخضوع لسلطان الدولة، بحيث يكون في دفع الجزية معنى الالتزام من قبل أهل الذمة بالولاء للدولة، كما تلتزم الدولة لقاء ذلك بحمايتهم، ورعايتهم واحترام عقائدهم، وليس في الخضوع لقوانين الدولة وسلطانها غضاضة على المواطنين مهما اختلفت عقائدهم (٥) .
وإذا حدث نوع من التجاوز في زمن الأزمان في التطبيق فإن ملابسات التطبيق على مر العصور والتصرفات الخاصة من بعض المنفذين لا تحسب على الإسلام في نظامه العادل، وإنما تحسب على فاعليها.
(١) الخراج، لأبي يوسف: ص ١٤٤
(٢) خراج أبي يوسف: ص ١٥٠، وانظر موسوعة فقه عمر: ص ١٨٥
(٣) هذا هو الإسلام، د. مصطفى السباعي: ص ٣٨؛ وانظر: فتوح البلدان، للبلاذري
(٤) انظر لسان العرب: لابن منظور: ٤/ ٤٥٩
(٥) هذا هو الإسلام: ص ٤٣