في ضوء هذا التفصيل يكيف المزايد وضعه الشرعي مع البنك الذي يصدر خطاب الضمان، دون أن يكون لصاحب السلعة تعلق، أو علاقة بالوضع بين المزايد والبنك ما دام يحصل على ضمان حقوقه بطريقة شرعية فيما بينه وبين المزايد.
* أما المزايدة في الحصول على نسبة ربح أعلى في مشاريع استثمارية تكون قد أثبتت جدواها الاقتصادية، ووافق البنك على تمويل من يرغب في إنشائها فإن المضاربة، ومعناها شرعا:
"أن يدفع رجل ماله إلى آخر يتجر له فيه على أن ما حصل من الربح بينهما حسب ما يشترطانه"(١) .
فالعقد مشروع إذا استكمل أركانه وشروطه، والمزايدة في نسبة الربح، ومحاولة كل من الطرفين الحصول على أعلى نسبة منه أمر مشروع يعود إلى ما اتفقا عليه في العقد.
والمزايدة في الربح حسب الصورة السابقة سواء في شركة المضاربة، أو غيرها من أنواع الشركات لها أصل شرعي تقاس عليه في البيوع والإجارات، ذلك أن لجوء صاحب السلعة، بقصد البيع أو الإجارة، إلى المزايدة للحصول على أعلى ثمن في حدود الأحكام والضوابط الشرعية جائز، وقصد معتبر في الشرع، كذلك الأمر بالنسبة للربح بين المضارب ورب المال.
كذلك لجوء الشريك الممول في المضاربة أو غيرها من الشركات إلى المزايدة في الحصول على نسبة أعلى من الربح بقصد تنمية ماله، وزيادة ربحه عن طريق المزايدة، يجتمع مع البيع والإجارة في المعني، ويتفق معهما في القصد ما لم تكن مخالفة شرعية، أو تجاوزات للأركان والشروط وأسباب الصحة في أصل العقد.
ولا تتجاوز المزايدة بصورتها المشروعة أن تكون أسلوبا شكليا، وطريقا من الطرق المشروعة للربح وتنمية المال تقع على العقود المتوخاة لتنمية الأموال التي ترك الشرع صياغتها، وتحديد أسلوبها رحمة بالناس، لتكييفها حسب احتياجاتهم واختلاف بيئاتهم وأزمانهم.
يأخذ هذا الحكم عموم جواز استعمال المزايدة في جميع العقود المباحة المعلومة، وغير المعلومة، إذا التزم المزايدون فيها أركان الصحة وشروطها، وتفادوا ما يفسدها، أو يتعارض مع مقصد من مقاصد الشريعة وقواعدها.
وليس في الشريعة ما يمنع صاحب راس المال أن يدخل في أكثر من عقد مع المضارب في مشاريع استثمارية أخرى، إذا تحقق قدرته وكفاءته على الاضطلاع بها، ويعد كل عقد قائما بذاته، مستقلا عن الآخر بشروطه وواجباته.
(١) ابن قدامة، أبو محمد عبد الله بن أحمد، المغني، ٥ / ٢٢