ثم بعد ذلك انتقلت إلى المبحث الرابع في النية والتسمية, وذكرت
أنه قد سبق ذلك في البحث أن التذكية من القربات إلى الله عز وجل، والقربات لا بد لها من نية, وفي هذا بيني وبين زميلي وأخي الدكتور الأشقر شيء من الخلاف، ولكن لا أعده إلا خلافًا لفظيا، فهو لا يعتبر الذبح مطلقا من القربات، واعتبرته من القربات نظرًا إلى التقيد بالأحكام الشرعية، لأن التقيد بالأحكام الشرعية في الذبح قربة إلى الله تبارك وتعالى، فلذلك لم يبح للإنسان أن يزهق الروح بأي وجه كان, ومن أجل ذلك اشترط جماعة من العلماء النيةَ في الذبح، وإن كان هنالك قول آخر بخلاف ذلك، ووجدنا الكثير من العلماء يشترطون النية، وأما ذكر اسم الله عند التذكية فلا خلاف بين الأمة في مشروعيته، وحكى الإجماع عليه كل من الإمام النووي والحافظ ابن حجر، وإنما اختلف علماء الأمة في كونه شرطاًَ لصحة التذكية يترتب عليها حل لحم الحيوان وعدم حله، على أقوال ستة سردتها في البحث.
واخترت من بين هذه الآراء الرأي الذي يقول بأن ذكر اسم الله- تبارك وتعالى- شرط في صحة التذكية على أي حال، سواء مع الذكر أو مع النسيان لأجل أن الله- تبارك وتعالى- أطلق النهي عن أكل ما لا يذكر اسم الله تعالى عليه في قوله:{وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ}[الأنعام: ١٢١] ، وأمرنا أن نأكل مما ذكر اسم الله عليه في قوله:{فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ}[الأنعام: ١١٨] ولا ريب أن الشرط كما قيل يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده الوجود ولا العدم لذاته, فإذا انعدم الشرط ينعدم المشروط, ومع هذا فإن هذا الرأي يعتضد أيضا بالكثير من أدلة القرآن التي قرنت بذكر اسم الله- تبارك وتعالى- مع نحر الإبل {فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ}[الحج: ٣٦] ومع استعمال الجوارح، وكذلك ما جاء في الأحاديث الكثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم من اشتراط ذكر اسم الله تعالى على إرسال السهم.