سيقول من يغلو في توقير الصحابة فيرفعهم نفسيا عن طبيعة البشر: إنه لا ينبغي اعتبار مثل هذه الحادثة مؤثرًا نفسيا. وجوابنا أن الصحابة رضوان الله عليهم صفوة البشر بعد الأنبياء , بيد أنهم من البشر على كل حال , ولا يبعد أن يعلق في أنفسهم بعض ما يعلق في أنفس عامة البشر من المواجد , وقد ألمعنا آنفًا إلى طبيعة العباس المتميزة بشدة الإباء والنخوة.
وقد أثرنا من قبل إلى لبس وقع فيه بعض الفقهاء وشراح الحديث فيما يحققون هذه القصة ويستنبطون منها الحكم في تعجيل الصدقة , ومرده إلى ما نحسبه قصة أخرى - إذا ثبتت القصة الأولى - وهي أصح سندًا ومتنا , رواها كل من عبد الرزاق وأحمد والبخاري ومسلم وأبي داود والنسائي والدارقطني والبيهقي , وهذه رواياتهم على التوالي:
قال عبد الرزاق (١) :
"عن ابن جريج , قال: حدثت حديثًا رفع إلى عبد الرحمن الأعرج , عن أبي هريرة , أن النبي صلى الله عليه وسلم ندب الناس في الصدقة , فأتي فقيل: يا رسول الله , هذا أبو جهم وخالد بن الوليد وعباس ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم قد منعوا الصدقة , فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما ينقم منا أبو جهم إلا أنه كان فقيرًا فأغناه الله ورسوله , وأما خالد بن الوليد , فقد حبس أدراعه وأعتده في سبيل الله , وأما عباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي عليه ومثلها معها)) .
وقال أحمد (٢) :
"حدثنا علي بن حفص، أخبرنا ورقاء , عن أبي الزناد , عن الأعرج , عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر على الصدقة , فقيل: منع ابن جميل وخالد بن الوليد والعباس عم النبي صلى الله عليه
وسلم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما نقم ابن جميل إلا أنه كان فقيرًا فأغناه الله , وأما خالد فإنكم تظلمون خالدًا , فقد احتبس أدراعه في سبيل الله , وأما العباس فهو علي ومثلها. ثم قال: أما علمت أن عم الرجل صنو أبيه)) .
(١) المصنف. ج: ٤. ص: ٤٤. ح: ٦٩١٨.
(٢) الساعاتي الفتح الرباني. ج: ٩. ص: ٢٩. ح: ٧١.