للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ثم قال:

"ثم تقع تصرفاته صلى الله عليه وسلم منها ما يكون من التبليغ والفتوى إجماعًا , ومنها ما يجمع الناس على أنه بالقضاء , ومنها ما يجمع الناس على أنه بالإمامة , ومنها ما يختلف العلماء فيه لتردده بين رتبتين فصاعدًا , فمنهم من يغلب عليه رتبة , ومنهم من يغلب عليه أخرى، ثم تصرفاته صلى الله عليه وسلم بهذه الأوصاف تختلف آثارها في الشريعة , فكل ما قاله أو فعله على سبيل التبليغ كان ذلك حكما عاما على الثقلين إلى يوم القيامة. فإن كان مأمورًا به أقدم عليه كل أحد بنفسه , وكذلك المباح وإن كان منهيًا عنه اجتنبه كل أحد بنفسه , وكل ما تصرف فيه عليه بوصف الإمامة لا يجوز لأحد أن يقدم عليه إلا بإذن الإمام اقتداء به عليه السلام؛ ولأن سبب تصرفه فيه بوصف الإمامة دون التبليغ يقتضي ذلك".

قلت: أليس تصرفه بوصف الإمامة "تبليغًا " بوجوب أو إباحة ذلك التصرف وما شاكله مقيدًا بأن لا يصدر إلا من الإمام أو مخصصًا الحكم فيه للإمام , ولولا أنه تبليغ على هذه الصورة لكان من خصائصه صلى الله عليه وسلم وحده , ولا يجوز لأحد أن يقتدي به فيه وهو ما لم يقل به أحد , وما هو التبليغ إن لم يكن بيان شرع الله في تصرف ما , أو في أمر ما؟ بصرف النظر عما إذا كان عاما أو خاصًا أو مطلقًا أو مقيدًا أو مشروعًا لكل الظروف أو لظرف خاص.

ثم قال:

"وهذه هي الفروق بين القواعد الثلاث , ويتحقق ذلك بأربع مسائل: المسألة الأولى: بعث الجيوش لقتال الكفار والخوارج ومن تعين قتاله وصرف أموال بيت المال في جهاتها وجمعها من محالها وتولية القضاة والولاة العامة وقسمة الغنائم وعقد العهود للكفار ذمة وصلحًا، هذا هو شأن الخليفة والإمام الأعظم , فمتى فعل صلى الله عليه وسلم شيئًا من ذلك , علمنا أنه تصرف فيه صلى الله عليه وسلم بطريق الإمامة دون غيرها , ومتى فصل صلى الله عليه وسلم بين اثنين في دعاوى الأموال أو أحكام الأبدان أو نحوها بالبينات أو الأيمان والنكولات ونحوها , فنعلم أنه صلى الله عليه وسلم إنما تصرف في ذلك بالقضاء دون الإمامة العامة وغيرها؛ لأن هذا شأن القضاء والقضاة.

<<  <  ج: ص:  >  >>